(مفسدون في الأرض) :
vol. 3 · p. 480
وقد خرج عن هذه القاعدة قوله تعالى في سورة يونس: (وجرين بهم بريح
طيبة) .
وذلك لوجهين: لفظي، وهو المقابلة بقوله: (جاءتها ريح عاصف) .
ورب شيء يجوز في المقابلة، ولا يجوز استقلالا، نحو: (ومكروا ومكر الله) .
ومعنوي، وهو أن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها.
فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد، فإذا اختلفت عليها الرياح كان سبب الهلاك، والمطلوب هنا ريح واحدة، ولهذا أكد هذا المعنى بوصفها بالطيب، وعلى ذلك أيضا جرى قوله: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره) .
وقال ابن المنير: إنه على القاعدة لأن سكون الريح عذاب وشدة على أصحاب السفن.
ومن ذلك إفراد النور وجمع الظلمات، وإفراد سبيل الحق وجمع سبيل
الباطل، في قوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ، لأن طريق الحق واحدة، وطرق الباطل متشعبة متعددة، والظلمات بمنزلة طرق الباطل، والنور بمنزلة طريق الحق، بل هما هما، ولهذا وحد ولي المؤمنين، وجمع أولياء الكفار لتعددهم في قوله: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) .
ومن ذلك إفراد النار حيث وقعت والجنة حيث وقعت مجموعة ومفردة، لأن
الجنان مختلفة الأنواع، فحسن جمعها، والنار مادة واحدة، ولأن الجنة رحمة والنار عذاب، فناسب جمع الأولى وإفراد الثانية على حد الرياح والريح.
ومن ذلك إفراد السمع وجمع البصر، لأن السمع غلب عليه المصدرية.
فأفرد، بخلاف البصر، فإنه اشتهر في الجارحة، ولأن متعلق السمع الأصوات، وهي حقيقة واحدة، ومتعلق البصر الألوان والأكوان وهي حقائق مختلفة، فأشار في كل منهما إلى متعلقه.
ومن ذلك إفراد الصديق وجمع الشافعين في قوله: (فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) .