الوجه الثالث والعشرون من وجوه إعجازه (وقوع الحقائق والمجاز فيه)
vol. 1 · p. 264
قلت: وظهر لي جواب رابع، وهو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب
الصحابة أن يقص عليهم، كما رواه الحاكم في مستدركه، فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة، وترويح النفس بها، والإحاطة بطرفيها.
وجواب خامس، وهو أقوى ما يجاب به: أن قصص الأنبياء إنما كررت
لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، والحاجة داعية إلى ذلك
لتكرير تكذيب الكفار للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب، كما حل على المكذبين، ولهذا قال تعالى في آيات: (فقد مضت سنة الأولين) .
(ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) .
وقصة يوسف لم ئقصد منها ذلك، وبهذا أيضا يحصل الجواب
عن حكمة عدم تكرير قصة أهل الكهف، وقصة ذي القرنين، وقصة موسى مع الخضر، وقصة الذبيح.
فإن قلت: قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى مرتين، وليست من
قبيل ذلك؟
قلت: الأولى في سورة كهيعص، وهي مكية أنزلت خطابا لأهل
مكة، والثانية في سورة آل عمران، وهي مدنية أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا، ولهذا اتصل بها ذكر الحاجة والمباهلة.
وترد لأسباب:
أحدها: التخصيص في النكرة، نحو: (فتحرير رقبة مؤمنة) .
الثاني: التوضيح في المعرفة، أي زيادة البيان، نحو: (ورسوله النبي الأمي) .
الثالث: المدح والثناء، ومنه صفات الله تعالى، نحو: (بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) .