1743
قد حدثنا، قال: حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي، وانطلقنا لا نعرف إلا الحج له، خرجنا، فلما قدم مكة، وفرغ من الطواف، قال: " من لم يكن معه هدي فليحل بعمرة، فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، وجعلتها عمرة " قال جابر: وقدم علي رضي الله عنه من اليمن والناس حالون، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بأي شيء أهللت؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " معي الهدي فلا نحلل " وكان علي قدم من اليمن بهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان جماعة الهدي الذي قدم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي من اليمن مائة بدنة، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بيده، ونحر علي رضي الله عنه سبعا وثلاثين، وأشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا في هديه، ثم أخذ من كل بدنة بضعة، فجعلت في قدر، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من لحمها، وحسا من مرقها
فكان في هذا الحديث أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من هديه عن متعته، وعن تطوعه الذي زاده على الواجب عليه في متعته فإن قال قائل: في هذا الحديث الذي رويته عن جابر ما يدل عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا معه في ذلك الإحرام في حرمة حج، لا في حرمة ما سواه من تمتع، ولا من غيره فدل ذلك أن هداياه وهدايا علي بن أبي طالب التي كانت منهما في ذلك لم تكن عن متعة، وأنها كانت تطوعا، ولسنا نخالفك في هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يؤكل منه قيل له: إنما بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متمتعا في إحرامه ذلك، وأنه كذلك كان دخوله في الإحرام ليكون متمتعا بالعمرة إلى الحج، لا ليكون مفردا بالحج
بما قد رويناه من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حفصة ابنة عمر، أنها قالت: يا رسول الله، ما بال الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: " إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر " وأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن إحرامه كان بعمرة أراد بها متعة، وساق لها الهدي، فمنعه ذلك من الإحلال بين العمرة وبين الحجة حتى يحل منهما جميعا وكان ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد حفظته عنه حفصة ابنة عمر رضي الله عنهما، ولم يحفظه جابر بن عبد الله عنه، وإنما كان الذي حكاه جابر عنه
ما رآه من ظاهر فعله، وما حمل عليه أمره مما كان بعرفة قبل ذلك من الحج، لا على العمرة التي لم تكن يعرفها جابر قبل ذلك فكان المحكي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وأحداث حكم العمرة أولى مما سواه مما قد ذكرنا ولما ثبت أن الهدي الذي كان ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان منعه من الإحلال الذي قد كان أحله غيره بين الإحرام الأول، وبين الإحرام الثاني اللذين كانا منه، وكان هدي التطوع غير مانع أحدا من الإحلال الذي كان يحله لو لم يسق هديا، ثبت بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متمتعا، وأن الهدي الذي أهداه كان أو بعضه عن متعة وكذلك ما كان في ذلك مما كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أهداه معه، قد وجدنا التطوع من الهدايا إنما يبعث به صاحبه، فيكون ببعثه به موجبا له تطوعا، ويكون الهدي بذلك قد وجب في عينه، فكان معنى التطوع ما أوجبه صاحبه مما لم يكن واجبا عليه قبل ذلك، فصار واجبا، فلم يمنع موجبه من الأكل منه لوجوبه هديا وكان الهدي عن النذر، والهدي عن الصيد لا يؤكل منهما وكان الاختلاف بينهم في هدي القران، وهدي المتعة، وهدي الجماع، أن يؤكل منها أم لا؟ فكان هدي المتعة وهدي القران بهدي التطوع أشبه منهما بما سوى ذلك من الهدايا، إذ كان هذان الهديان إنما يجبان بأفعال غير منهي عنها كالهدي عن التطوع الذي يصير هديا،
ويجب بفعل غير منهي عنه، ولم يكن ذلك كهدي النذر، لأن هدي النذر إنما يكون شكرا
لشيء متقدم يراد به أن يكون جزاء له، كقول الرجل: إن بلغني الله عز وجل الحج فله علي أن أهدي بدنة، أو كقوله: إن قضى الله عز وجل عني الدين الذي علي فله علي أن أهدي بدنة فيبلغ الحج، ويقضى عنه الدين، فتجب البدنة عليه شكرا هديا لما تقدمها فأشبهت العوض عن الأشياء التي يتعوض بها وكان هدي الجماع بهدي جزاء الصيد أشبه منه بهدي التطوع، إذ كانت إصابة الصيد منهيا عنها في الإحرام، وإصابة الجماع منهيا عنها في الإحرام، فلم يجز أن يؤكل من ذلك كما لا يجوز أن يؤكل من نظيره من الهدايا وأما هدي التطوع إذا عطب دون محله، فإنه قد اختلف أهل العلم في أكل الذي أهداه، هل ذلك مباح له أم لا؟ فكانت طائفة منهم تقول: ليس ذلك له مباح، وهو منه ممنوع وممن كان يقول ذلك منهم أبو حنيفة، ومالك بن أنس، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي وأما ما ذكرناه من ذلك عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، فكما حدثنا سليمان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، ولم يحك في ذلك خلافا بينهم وقد روي هذا القول عن عبد الله بن عباس كما