1984
حدثنا المزني، قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا
علي بن يزيد بن جدعان، عن القاسم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على درجة الكعبة يوم الفتح، فقال: " الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطإ بالسوط والعصى ففيه مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ألا إن كل مأثرة ودم وما كان في الجاهلية فهو تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإني أمضيهما لأهلهما كما كانتا " فكان من الحجة على أهل هذا القول لأهل القول الآخر، أن قول الله عز وجل: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} ، إنما ذلك عند الذين لا يلاعنون بالحمل على نهاية النفقة على المطلقات، وعلى خروجهن من المعنى الذي كان ينفق عليهن من أجله، وهي العدة التي انقضاؤها وضع الحمل المذكور في هذه الآية ألا ترى أنهم يقولون: إن المطلقة التي قد أتى عليها من السن ما قد أحاط العلم معه أنها لا تحمل، أن لها النفقة على زوجها المطلق لها حتى تخرج من عدتها، وأن النفقة عندهم إنما هي لاعتدادها من زوجها، لا بحمل بها منه، وأنهم كانوا يعتبرون ذلك بأن يقولوا: النفقة إن كانت على الحامل من أجل الحمل، لأنها توصل الغذاء إليه، فتجب على أبيه، كما تجب له النفقة عليه بعد انفصاله من أمه
بالأسباب التي يغذى بها، منها الرضاع إذا كان غذاؤه الرضاع، ومنها سوى ذلك مما يغذى به بعد خروجه من حكم الرضاع لكان يعتبر، ومن الحمل إلى ذلك وعناؤه عنه كما يعتبر ذلك في المولود ألا ترى أن مولودا لو كان له مال قد ورثه من أخ لأمه توفي، أنه لا يجب على أبيه الإنفاق عليه، وأنه لو كان أنفق عليه بقضاء القاضي، ولا يعلم بوجوب ذلك المال له من الجهة التي ذكرنا، ثم علم به، أن القاضي يعيده في المال الذي وجب لأبيه بما أنفقه بأمره، وأن الحمل الذي ذكرنا، ثم علم بعد قضاء القاضي بالنفقة على أبيه لأمه المطلقة المعتدة وجوب المال له من الجهة التي ذكرنا، أنه
لا يقضى لأبيه بالرجوع فيما كان وجب الحمل من ذلك فعقلوا بذلك أن النفقة على المعتدة المطلقة إنما هي نفقة لذاتها، حاملا كانت أو غير حامل، وأن معنى قوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} ، إنما ذلك على إعلامهم السبب الذي به تنقطع النفقة التي كانت عليهم للزوجات المطلقات، وذلك ما يعلمونه علم حقيقة، لأن المرأة إذا وضعت علم بعد وضعها أنها كانت قبل ذلك حاملا، فأتى دلالة في هذا لمن لاعن بينها وبين زوجها القاذف لها بالحمل الذي زعم أنه ليس منه فهذه حجة في دفع ما احتج به عليهم مخالفهم، ويعودون أيضا سائلين لمخالفيهم عن امرأة قال لها رجل لا نكاح بينه وبينها: أنت حامل بولد من غير زوجك فلان، هل لها
عليه حد لقذفه إياها؟ أو هل لحملها عليه حد لنفيه نسبه عن أبيه كما يكون له في ذلك لو نفى نسبه عن أبيه بعد انفصاله من أمه؟ فإن قالوا: لا حد، وفرقوا بين نفيه إياه قبل انفصاله عن أمه، وبين نفيه من أبيه بعد انفصاله، إذ كانت أمه قد يجوز أن يتبين منها بعد ذلك أنها غير حامل، فيكون نفيه لحملها الذي ذكر أنه بها كلا نفي، لزمهم أن يقولوا كذلك في نفي الزوج الحمل الذي ذكر أن امرأته حامل به، وألا يجعلوا في ذلك لعانا كما لا يجعلون على القريب الأجنبي فيه حدا فإن قالوا: يقيم في ذلك الحد للمرأة المقذوفة على القاذف لها النافي لحملها من زوجها، لأنه في نفيه حملها قاذف لها في نفسها، ولا يحد نافي حملها في نفي الحمل، لزمهم أن يقولوا في الزوجة إذا نفى زوجها الذي ذكر أنه نفى عن نفسه كذلك، وأن يلاعنها بقذفه إياها، وألا لعان بينه وبينها في نفيه حملها عن نفسه وأما الحجة لهم عليهم فيما ذكروا أنه يلزمهم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية المغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب ذلك على عواقل القاتلين، إذ كان العواقل يصلون إلى ذلك ولسعة إطلاق القول على ما ظاهره الحمل، أنه كذلك، وإن كان لا حقيقة عندهم من ذلك، وإن
كان قد يجوز في المستأنف أن يظهر لهم من انتفاء الحمل عمن كان ظاهره عندهم الحمل وعدم
الحمل منه في وقته ذلك، لأن للرجل أن يقول: أمتي هذه حامل، ويسعه أن يبيعها على أنها كذلك ليبرأ من عيبها بحملها، ولا يكون آثما في إطلاق القول أنها حامل، وإن كان قد يجوز أن تكون في الحقيقة بخلاف ذلك، لأن هذا وما أشبهه إنما يعتد الخلق فيه بظاهره، لا بما سواه، ألا ترى أن المرأة إذا طلقها زوجها، وتبين لها من نفسها ما يدلها أن بها حملا منه، أن لها أن تطالبه بالإنفاق عليها، وأنها إن رأت الدم في أوقات أقرائها التي كانت ترى فيها الدم، ألا يلتفت إلى ذلك، وألا يجعل حكم ذلك الدم حكم دم الحيض، وألا تترك له الصلاة والصيام في قول الذين يزعمون أن الحامل لا تحيض، وأنها لو علمت بعد ذلك أن لا حمل بها لرجعت في نفسها إلى الاعتداد بالدماء التي كانت دأبها في أيام أقرائها، وإلى رد ما قبضته من زوجها المطلق لها من النفقة مما لم يكن يوجبه لها عليه الاعتداد بالأقراء، وإلى قضاء ما صامته في شهر رمضان إن كان مر عليها في أيام أقرائها فلما كانت هذه الأشياء يستعمل فيها حكم الظاهر، وإن كان الأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، كان ما أوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على العواقل من الإبل الحوامل، هو ما يرجع فيه إلى أقوال العواقل فإذا أحضروا الإبل فقالوا: هذه خلفات، ولم نعلم منها خلاف ذلك، كان القول قولهم، ولم يكلفوا خلاف ذلك ومثل هذا ما يجري بين الناس في
معاملاتهم، وما يشترطونه في بياعاتهم ألا ترى أن رجلا لو باع رجلا هذا العبد على أنه صقلي، أو على أنه رومي، ثم ادعى المشتري أنه من خلاف الجنس الذي اشترطه البائع أن ذلك غير مقبول منه، وأن القول قول البائع، إذ كان لم يظهر في العبد خلاف ما قال، وأنه لو علم بعد ذلك أنه من غير الجنس المشترط لكان للمشتري فسخ البيع أو إمضاؤه بلا شرط وكذلك الخلفات المرجوع فيها إلى أقوال العواقل إذا ادعى أولياء المقتولين أنها غير خلفات لم يقبل في ذلك دعواهم، إذ كان لم يعلم منهن غير ما قالت العواقل، وأنه لو علم منهن بعد ذلك أنهن غير خلفات كان لأولياء المقتولين ردهن على العواقل ومطالبتهم بخلفات مكانهن وهذا خلاف اللعان الذي لو أمضي في نفي الحمل، ثم علم أن لا حمل مما قد ذكرنا، ولو أن هذا الحمل وضعته أمه قبل قذف زوجها إياها، ثم قذفها به ونفاه عن نفسه، فإنه يلاعن
بينها وبينه عليه، وينتفي بذلك اللعان عن زوجها، ويلحق بأمه، ويكون كمن لا أب له في جميع أحكامه وهذا قول أهل العلم جميعا، لا نعلم اختلافا من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا غير شاذ شذ في ذلك، فخرج غير هذا القول، وزعم أن الولد لا ينتفي من أبيه باللعان، واحتج في ذلك فيما ذكر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر "، وزعم أن اللعان في هذا كاللعان بالقول خاصة
بلا ولد وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا خلاف ما قال