Skip to content

Books to be read, not browsed

2078 — أحكام القرآن الكريم

From ⁧أحكام القرآن الكريم⁩ by ⁧أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي⁩ — leaf 2,166 of 2,166.

2078

قد حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا نعيم، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " إذا مات المكاتب وقد أدى طائفة من كتابته وترك مالا، فإن ماله وما ترك من شيء لسيده، وليس لورثته من ماله شيء "

قال وكان له مكاتب ولمكاتبة ولد من وليدة قد أدى من مكاتبته خمسة آلاف ثم مات فقبض ابن عمر ما ترك من شىء أجمع واسترقهم ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيما ذهب إليه كل فريق فوجدنا الذين يذهبون فى ذلك إلى بطلان مكاتبة المكاتب بموته يذهبون فى ذلك إلى أن المكاتبة كالعتاق على الصفة فإذا بطلت الصفة التى بها يكون العتاق لم يجب العتاق كرجل قال لعبده: إذا أديت إلي ألف درهم فأنت حر،وقبل ذلك العبد منه ثم مات العبد قبل أداء الدراهم إليه أن ذلك القول قد بطل وأنه لا يلحق العبد به عتاق بعد ذلك أبدا وكان مذهب أهل هذا القول الآخر من قائله إن المكاتبة الصحيحة على المال المعلوم ليست كالعتاق على المال المشترط فيه وجوب العتاق بعده كما ذكر أهل القول الأول ولكن حكمها حكم التمليكات الواجبات كالبياعات وكما أشبهها مالا يبطله ما يطرأ عليه من الموت الحادث فى متعاقديه بعد ذلك لأن المكاتبة فيها تمليك من المولى لعبده كسبه بما كاتبه عليه، فإذا وقعت المكاتبة بينهما على ذلك ملك المكاتب كسبه بذلك العقد فصار له دون مولاه وصارت المكاتبة دينا عليه لمولاه

ألا ترى أن المكاتب لو اكتسب بعد التكاتب مالا ثم أن مولاه بعد ذلك أعتقه بلسانه أنه يكون حرا وأن كسبه الذى كان فى حال المكاتبة له دون مولاه وأن مولاه لم يكن مالكا لشىء من ذلك الكسب قط وأن ذلك لا ينسبه العبد إذا جعله مولاه حرا إن أدى إليه مالا لأن ذلك العبد لو اكتسب مالا ثم أعتقه مولاه بعد ذلك بلسانه وقبل أداء العبد المال الذى أعتقه عليه كان ذلك المال الذى اكتسبه قبل إعتاق المولى إياه غير مختلف فيه أنه قد كان للمولى قبل إعتاقه إياه وإنما يختلف أهل العلم فى الحكم فى ذلك المال بعد وقوع العتاق من المولى على ذلك العبد فطائفة منهم تقول ذلك المال للمولى وممن قال ذلك أبو حنيفة وسفيان وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعى.

وطائفة تقول ذلك المال للعبد المعتق دون مولاه وممن قال ذلك مالك بن أنس

فلما كان ما اكتسبه المكاتب فى حال المكاتبة له دون مولاه ثبت بذلك أن المكاتب قد ملك على مولاه بعد المكاتبة مالم يملك مثله العبد الذى قال له مولاه إن أديت إلي ألف درهم فأنت حر، على مولاه

فلما مات المكاتب بعد ملكه ما ذكرنا لم يكن موته مبطلا لشىء مما كان ملكه فى حياته وجرى حكمه بعد موته على حكمه الذى كان يجرى عليه فى حياته ولما كان العبد المعتق بعد أدائه الدراهم التى ذكرنا لم يملك على مولاه شيئا فى حياته فمات بعد ذلك استحال أن يكون يستأنف به بعد وفاته تمليك ما لم يكن ملكه على مولاه فى حياته فهذه حجة وفى ذلك حجة أخرى وهو أن العبد الذى قال له مولاه إذا أديت إلي ألف درهم فأنت حر لو مات مولاه بعد هذا القول قبل أداء العبد إليه الدراهم التى جعله حرا إن أداها بطل ذلك القول ولم يجز للعبد بعد موت مولاه استحقاق ذلك العتاق بأداء تلك الدراهم إلى من خلفه فى ماله من وصى ومن وارث لأن الصفة التى عقد له المولى العتاق عيها وجعله حرا بها قد ذهبت وصار أداؤه بعد وفاة مولاه إنما هو أداء إلى غير مولاه والمكاتب فلم يره سلك به هذا المسلك لأنا لم نجدهم يختلفون فى المكاتب بموت مولاه أن ذلك لا يفسخ مكاتبته وأنه يؤدى مكاتبته بعد موت مولاه إلى من يجب عليه أداؤه إليه من وصى إن كان أو وارث إن كان له واجب له فيض المكاتبه بعد مولاه فلما كان ذلك خرج به حكم المكاتب من حكم العبد الذى جعله مولاه حرا إن أدى إليه ألف درهم وبطل استعمال الصفات فى المكاتب الذى ذكرنا وثبت استعمالها فى العبد الذى وصفنا

ووجدنا العبد الذى وصفنا يستوى حكمه بعد موت مولاه وبعد موته نفسه فى حكم القول الذى كان من مولاه له وهو قول له "إن أديت إلى ألف درهم فأنت حر" لأنه إذا قال له ذلك ثم مات المولى أو مات العبد قبل أداء الدراهم إلى المولى بطل ذلك القول الذى كان من المولى فصار كلا قول فلما كان حكم ذلك القول بعد موت المكاتب وبعد موت مولاه مؤتلفا غير مختلف فلما كان موت المولى غير مبطل للمكاتبة

وكانت المكاتبة تجرى بعد موته على ما كانت تجرى عليه فى حياته كان كذلك بقى بعد موت المكاتب تجرى على ما كانت عليه فى حياته

فإن قال قائل: أفيجوز أن يكون المكاتب بعد موت مولاه مكاتبا وعتيقا بعد موته فيكون ميتا حرا بعد أن كان ميتا مكاتبا

قيل له: كما جاز بما وصفنا أن يكون بعد موته مكاتبا جاز أن يكون بعد موته مستعملا فيه حكم المكاتبة القائمة فيه بعد موته فهذه حجة وفى ذلك حجة أخرى إنا قد وجدنا أحكام المولى فى قضاء ديونهم من تركاتهم ترجع بذلك أحكامهم إلى قضائهم تلك الديون عن أنفسهم فى حياتهم ألا ترى أن رجلا لو مات وعليه دين بقى بتركته وله ابنان لا وارث له غيرهما أنهما ممنوعان من ميراثه للدين الذى عليه وأن أحدهما لو مات بعد ذلك وترك بنين أنه قد مات قبل وراثته شيئا من تركة ابنه إذا كان الله عز وجل إنما جعل التركات ميراثا للورثة بعد قضاء الديون وبعد إنفاذ الوصايا لقوله عز وجل بعد ذكره ما ذكره من الفرائض والمواريث {من بعد وصية يوصى بها أو دين} و {من بعد وصية توصون بها أو دين} و {من بعد وصية يوصين بها أو دين} وكان هذا المتوفى أولى من هذين المتوفيين اللذين ذكرنا لو أبرأه الغرماء من الدين لهم عليه فبرىء من ذلك وصار لا دين عليه عادت تركته ميرثا عنه ولابنيه الحى منهما والمتوفى بعد وفاته ولم يمنع المتوفى بعد وفاته من ميراث ابنه المتوفى بعد وفاته من ميراث ابنه المتوفى فى حياته ولم يجعل الدين الذى منعه من ميراث أبيه إلى أن توفى بعد أبيه مانعا له من الوراثة من أبيه بعد براءة أبيه من الديون التى كانت عليه بل قد جعل بعد براءة أبيه وارثا عن أبيه كأخيه الحى إلى أن كانت المرأة وجعل أبوه إذا برىء بعد وفاته من الديون التى كانت عليه يوم توفى كمن برىء منها فى حياته فكذلك المكاتب الذى ذكرنا لما ثبت بما وصفنا بقاء المكاتبة

فيه بعد وفاته كبقائها كانت فى حياته فأديت المكاتبة عنه بعد وفاته إلى مولاه من تركته أو أبراه مولاه منها بلسانه بغير استبدال الشىء منها عاد بذلك حكمه إلى حكم من برئ منها فى حياته فثبت بما ذكرنا فى المكاتب المتوفى ما ذهبت إليه فيه الطائفة التى ذكرنا عنها أنه بعد موته باق على مكاتبه التى كان عقدها على نفسه فى حياته وأنه يكون عتيقا بأدائها إلى مولاه أو بميراثه منها بغير أدائها إلى مولاه حتى يعود بذلك إلى حكم البريء منها فى حياته المستحق للعتاق بها قبل وفاته ومن هذه الطائفة القائلين بهذا أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد

واختلف أهل العلم الذين ذكرنا عنهم أن المكاتب لا يستحق العتاق بالمكاتبة حتى يبريء من جميع المكاتبة فى المكاتب يعجز عن المكاتبة هل يرجع رقيقا على ما كان عليه قبل المكاتبة باتفاقه ومولاه على ذلك؟ أو لا يرجع إلى ذلك الرق إلا بحكم من الحاكم عليه به؟ فقال بعضهم: لا يرجع إلى ما كان عليه قبل المكاتبة من الرق، ولا يخرج من المكاتبة إلا بحكم الحاكم بذلك له وعليه ويرد القاضى إياه إلى الرق الذى كان فيه عليه عقد المكاتبة وهذا قول كثير من فقهاء أهل المدينة وقال بعضهم إذا اجتمع المكاتب ومولاه دون القاضى على تعجيز المكاتب عن المكاتب، ورده إلى ما كان عليه من الرق قبلها وفعلا ذلك، وفسخا المكاتبه التى كانت بذلك بتفسخه، وعاد المكاتب فى المستأنف رقيقا لمولاه وممن قال ذلك أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد

ولما اختلفوا فى ذلك احتجنا إلى استخراج الصحيح من هذين القولين اللذين وصفنا. فوجدنا المكاتبة جائزا للمولى عقدها على عبده برضى عبده بذلك دون القاضى كما يجوز للرجلين أن يتعاقدا البيع دون القاضى.فلما ثبت أن المكاتبة مما يجوز عقده دون القاضي، ثبت أن نسخها مما يجوز دون القاضي. وقد ذكرنا فيما تقدم فى هذا الكتاب

أن الأشياء التى يراد الحاكم فى آخرها حتى يكون هذا المنفذ لها هى الأشياء التى كان يحتاج إلى الحاكم فى أولها , وأن الأشياء التى لا يحتاج إلى الحاكم فى أولها هى الأشياء التى لا يحتاج إليه فى آخرها. وشرحنا ذلك شرحا بينا فاستغنينا بذلك عن إعادته هاهنا وبالله التوفيق.

تم كتاب المكاتبة، وبتمامه تم الجزء الأول من كتاب أحكام القرآن. والحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد نبيه وعبده وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما بدوام ملك الله إلى ما لا نهاية لذلك، على يد العبد الفقير الراجى عفو ربه القدير محمد بن أحمد بن صفي بن قاسم المعروف بابن الغزولى. عفا الله عنه وعن من كان السبب فى نسخ هذا الكتاب، وهو المولى الأجل المحترم الرئيس المعلم شمس الدين محمد المعروف بالحجيج أثابه الله، وتقبل منه، وغفر له ولوالديه ولمن كتبه وقرأه وسمعه أو قرئ عليه، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم آمين آمين آمين رب العالمين

ت. الدكتور سعد الدين أونال — مركز البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي، استانبول — الأولى