572
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني غير واحد، عن ابن شهاب، ونافع، مولى
ابن عمر، " في رجل له مال وعليه دين مثله، قال: " لا زكاة عليه " ولما كانت المواريث تجب للوارثين في أموال الموتى المورثين، وكانت الزكوات حقوقا تجب للفقراء في أموال الأغنياء المزكين، وكان الدين يمنع المواريث من أموال الموتى كان الدين يمنع الزكوات من أموال الأحياء واختلفوا في الرجل يكون عنده مائتا درهم فيمضي عليه بعض الحول، ثم يفيد بعد
ذلك مائة درهم، أو أكثر منها، أو أقل، ثم يحول الحول على الأول، فقال القائلون: يضم الفائدة إلى أصل المال ويزكي ذلك عند حلول الحول على أصل المال وسواء عندهم كانت هذه الفائدة من ربح ذلك المال، أو من ميراث، أو من هبة، أو من صدقة، أو مما سوى ذلك من وجوه الفوائد وممن قال بذلك منهم: أبو حنيفة، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد حدثنا بذلك سليمان، عن أبيه، عن محمد، عن أبي حنيفة، وأبي يوسف قال محمد، رحمه الله: وهو قولنا وقال آخرون منهم: يستقبل بكل فائدة أفادها حولا جديدا وممن قال ذلك منهم الشافعي وقال آخرون: إن كانت الفائدة من ربح ذلك المال زكاها مع المال بحوله، وإن كانت الفائدة من ميراث، أو هبة، أو ما أشبه ذلك استقبل بها حولا جديدا، وممن قال بذلك منهم: مالك فكان ما ذهب إليه أبو حنيفة، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد في ذلك أولى عندنا، وذلك أنا رأينا الفائدة الطارئة على المال لا يخلو من
أن يكون حكمها حكم أصل المال الذي طرأت عليه، أو حكم نفسها، فإن كان حكمها حكم نفسها وكانت غير لاحقة بأصل المال فإنه يستقبل بها حولا جديدا ولا تجب فيها زكاة حتى تكون مائتي درهم فصاعدا وإن كان حكمها حكم أصل المال الذي طرأت عليه لحقت به في مقداره وفي حوله ولما أجمعوا أن الأموال تجب فيها الزكاة بمقدار منها معلوم وبحول يحول عليها معلوم وأجمعوا أن هذه الفائدة، وإن كان مقدارها لا تجب فيه الزكاة على الانفراد، لاحقة بأصل المال الذي طرأت عليه في مقداره وغير مراع مقدارها في نفسها وجب أيضا أن تكون لاحقة بأصل المال في حوله غير مراع فيها حول نفسها وقد ذكرنا في كتابنا هذا أحكام زكاة الورق ومقدار ما تجب فيه الزكاة، وما اجتمع عليه من ذلك، وما اختلف فيه منه فأما الذهب فمثله في جميع ما وصفنا من نقره وعينه، ومن حليه، ومن دينه، ومن فوائده، ومن سائر ما ذكرنا فيه، غير المقدار الذي تجب فيه الزكاة منه، فإنه عشرون مثقالا وسواء كان ذلك تبرا أو عينا أو حليا، فإذا بلغ عشرين مثقالا وحال عليه الحول وجب فيه ربع عشره إذا لم يكن على صاحبه دين، وهذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم
واختلفوا فيما زاد على العشرين مثقالا من الذهب كما اختلفوا فيما زاد على المائتي درهم من الورق، فقال الذين قالوا: لا زكاة فيما زاد على المائتي درهم، حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما، وكذلك لا زكاة فيما زاد على العشرين المثقال من
الذهب، حتى تكون الزيادة أربعة مثاقيل وقال الذين قالوا فيما زاد على المائتين من الورق فبحساب ذلك، وكذلك ما زاد على العشرين المثقال وجبت فيه الزكاة بحساب ذلك، وكان مذهب من ذهب أنه لا شيء فيها حتى تبلغ أربعة مثاقيل أن مقدار الأربعين الدرهم من المائتي درهم، فقالوا بذلك في الذهب قياسا على ما رووه عن عمر، وعلي، وابن عمر في الورق على ما رويناه عن كل واحد منهم في موضعه من كتابنا هذا واختلفوا فيمن ملك عشرة مثاقيل من الذهب ومائة درهم من الورق، وحال على ذلك في مدة الحول كم يساوي من الذهب؟ فإن بلغت قيمتها عشرة دنانير أو أكثر ضم القيمة وهي عشرة دنانير أو أكثر إلى العشرة العين الذي في يده، فزكى عن عشرين مثقالا وعنها وعن زيادة إن كانت على العشرين المثقال، كما يزكي عن الذهب لو كانت كلها ذهبا، وإن قصرت قيمتها عن عشرة دنانير نظر إلى قيمة العشرة الدنانير من الورق فضم قيمتها من الورق إلى المائة درهم التي في يده، وزكى عن ذلك كله كما يزكي عنه لو كان ورقا كله، وممن قال بذلك منهم: أبو حنيفة، وسفيان حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا نعيم، قال: حدثنا ابن المبارك، عن سفيان بهذا القول أيضا وكذلك قال أبو حنيفة، وسفيان، فيما قل من الدنانير ومن الدراهم، وفيما كثر منها يقوم كل واحد منهما بصاحبه، ثم يزكي عن أوفرهما زكاة كما حكيناه عنهم في المائة الدرهم والعشرة الدنانير وقال قائلون
منهم: لا زكاة في ذلك حتى يتكامل من أحدهما ما تجب فيه الزكاة، وممن قال بذلك: ابن أبي ليلى، والشافعي
وقال قائلون منهم: لا ينظر في ذلك إلى قيمة الذهب، ولا إلى قيمة الورق، ولكن ينظر إلى أجزائه، فإن كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم كان قد صار عنده نصف كل واحد من المالين اللذين تجب فيهما الزكاة، فيقوم ذلك مقام مال كامل فتجب على من ذلك في يده الزكاة منه من كل واحد من الصنفين ربع عشره، وكذلك إن كان عنده مائة درهم، وخمسون درهما من الورق، وخمسة مثاقيل من الذهب، أو خمسون درهما من الورق وخمسة عشر مثقالا من الذهب، فقد صار عنده من أحد المائتين ثلاثة أرباعه، ومن الآخر إذا ربعه، فتكاملت الأجزاء، فوجب في ذلك الزكاة عليه ولو كان عنده خمسون درهما من الورق وأربعة عشر مثقالا من الذهب لم تجب عليه زكاة، لأنه إنما معه ربع أحد المالين، وأقل من ثلاثة أرباع المال الآخر، فلم تتكامل الأجزاء فلا شيء فيه وممن قال بذلك منهم: أبو يوسف، ومحمد، وقالا: لا يقوم ذهب بفضة، ولا فضة بذهب، ولا يرد أحدهما إلى صاحبه بقيمة، وإنما يرد إليهما غيرهما مما سواهما حدثنا سليمان، عن أبيه، عن أبي يوسف، وعن محمد بهذا القول قال أبو يوسف: وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول بقولنا هذا زمانا، ثم رجع عنه إلى القول الذي حكيناه عنه، وكان قول مالك في
ذلك كقول أبي يوسف، ومحمد فيه وقد روي عن المتقدمين في هذا الباب ما يوافق ما ذهب إليه الذين جعلوا في الذهب مع الورق الصدقة، غير أنا لا ندري أكان مذهبهم في ذلك كمذهب أبي حنيفة الأول أو كمذهبه الآخر فيه؟