828
حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لليلتين مضتا من رمضان، فخرجنا صواما حتى بلغ الكديد، "
فأمرنا بالإفطار، فأصبحنا ومنا الصائم ومنا المفطر فلما بلغنا مر الظهران أعلمنا بلقاء العدو، وأمرنا بالإفطار " فكانت هذه الآثار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسفره بنفسه وأصحابه بعد دخول شهر رمضان عليه وعليهم وهم مقيمون في أهليهم، وبإفطاره وأمره إياهم بالإفطار فدل ذلك أن هذا القول الثاني من القولين اللذين حكيناهما في تأويل هذه
الآية، أولى من القول الأول منهما، وأن قوله عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} لا يمنع من سافر في رمضان من الإفطار في بقيته التي تمر عليه وهو مسافر، وهذا هو القياس أيضا ألا ترى أنه لو دخل عليه رمضان وهو مسافر، ثم صار إلى أهله أنه يرجع في حكم صومه إلى حكم المقيم، لا إلى حكم المسافر، ويجب عليه الصوم في المستأنف ما كان مقيما كما يجب على من كان مقيما منذ دخل رمضان كذلك يكون القياس على ذلك أن يكون كذلك من دخل عليه رمضان وهو مقيم، ثم سافر، أن يكون حكمه في المستأنف ما كان مسافرا في الصوم، حكم المسافر في الصوم، لا حكم المقيم، ودل ما ذكرنا على أن قوله عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} إنما هو فليصمه ما كان مقيما ثم قال عز وجل: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ، فكان المرض المراد عندنا في ذلك والله أعلم هو المرض الذي يخاف من الصوم الزيادة فيه، كصاحب الحمى الذي يخاف إن صام تشتد حماه، أو كصاحب وجع العين الذي يخاف إن صام يشتد وجع عينه، أو كمن سواهما من ذوي الأمراض الذين يخافون إن صاموا أن تشتد أمراضهم وتزداد بالصيام، فلهم أن يفطروا وكذلك كان أبو حنيفة يقوله في هذا فيما حدثنا محمد بن العباس، عن علي، عن محمد، عن يعقوب، عن أبي حنيفة، ولم
يحك خلافا، غير أنه لم يذكر في روايته هذه من الأمراض غير وجع العين والحمى، وما سواهما من الأمراض، ففي القياس عندنا مثلها، وكان السفر المراد في ذلك يختلف فيه على ما ذكرنا من الاختلاف في السفر الذي تقصر فيه الصلاة في كتاب الصلاة من كتب أحكام القرآن هذه، فأغنانا ذلك إعادته هاهنا، غير أنا نأتي بجملة منه وهي أن السفر المراد به في هذه الآية باتفاقهم، لما كان سفرا
خاصا من الأسفار، ولم يدخل فيما أجمعوا على أنه خاص من الأسفار، إلا ما أجمعوا على أن الله عز وجل عناه منها وقد أجمعوا على أن السفر الذي مقداره ثلاثة أيام ولياليها قد دخل فيما عني من ذلك واختلفوا فيما دونه من الأسفار، فكان الأولى بنا ألا يدخل في هذه الآية من الأسفار إلا السفر المتفق على دخوله فيها، دون ما سواه من الأسفار، وهكذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، يقولونه في السفر الذي يحل لصاحبه فيه الإفطار في شهر رمضان ثم قال عز وجل: {فعدة من أيام أخر} ، فاختلف أهل العلم في المراد بهذا، فقالت طائفة منهم: أن يصام في أخر متتابعة كما كان يصام في عين الشهر متتابعا، وممن قال ذلك منهم مالك، غير أنه كان يقول: وإن صامه متفرقا أجزأه عنه، غير أن المتتابع في ذلك أحب إليه وقالت طائفة منهم: هو أن يصام في أيام أخر، إن شاء الذي يصومها تابعها، وإن شاء فرقها، ولم يفضلوا
في ذلك صومه إياها متتابعا على صومه إياها متفرقا، وممن ذهب إلى ذلك: أبو حنيفة، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي وقد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اختلاف، فروي عن علي، وابن عمر ما يوافق ما ذكرنا عن مالك