Skip to content

Books to be read, not browsed

1880 — أحكام القرآن الكريم

From ⁧أحكام القرآن الكريم⁩ by ⁧أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي⁩ — leaf 1,959 of 2,166.

1880

كما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، " أنه كان يقول في المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها: لا نفقة لهما، وتعتدان حيث شاءتا " وقد روينا فيما تقدم في هذا الباب

عن عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج بن أرطاة،

عن ابن عباس، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة حين طلقها زوجها ثلاثا " فصار ما روي عن ابن عباس من هذين الحديثين إنما يدور على الحجاج، ومذهب أهل الإسناد فيما أرسل الحجاج ولم

يذكر فيه سماعا ما لا خفاء به على أهل العلم بهذا المعنى فإن احتج محتج لما روت فاطمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصتها التي رويناها عنها في هذا الباب، وأنه ليس فيما روت من ذلك خلاف لكتاب الله عز وجل بحجة فاطمة التي احتجت بها في حديث عبيد الله بن عبد الله الذي ذكرناه قيل له: أما ما ذكرت من قوله: إن القرآن إنما نزل فيمن لم يبت طلاقها، لا فيمن بت طلاقه، لأن الله عز وجل قال: {فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم إلى قوله عز وجل: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ، وذلك لا يكون في المطلقات المبتوتات، وإنما يكون فيمن سواهن من المطلقات اللاتي عليهن الرجعة لمن طلقهن، فإن الحجة في ذلك أن الآية على النساء جميعا المدخول بهن ذوات العدد، قال الله عز وجل: {يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن إلى قوله: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ، فأمر عز وجل بطلاقهن للعدة، وعطف ما بعد ذلك من أحكامهن على العدة، وكانت المرأة إذا طلقها زوجها طلقتين للعدة، إحداهما بعد الأخرى، كان لها عليه السكنى والنفقة، لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك جميعا، وكانت الرجعة عليها لمطلقها، ثم إذا أراد أن يطلقها الثالثة التي لا رجعة له عليها بعدها، كان طلاقه إياها للعدة في طهر لم يمسها فيه، على مثل ما كان عليه حكمه في طلاقه إياها كل واحدة من

التطليقتين الأوليين، فإذا لم تخرج الطلقة الثالثة من أن توقع للعدة في طهر لا مماسة فيه، وكان عليها أن تعتد للتطليقة الثالثة مثل ما تعتد لكل واحدة من التطليقتين الأوليين من الشهور أو الحيض على ما بين الله عز وجل في ذلك في هذه السورة، وفيما سواها من القرآن، لم تخرج هذه التطليقة أيضا مما كان لها من السكنى والنفقة كما لم تخرج مما كان عليها، ولها سائر

أحكام المطلقات الطلاق المملوك فيه الرجعة عليهن، وثبت بذلك أن المطلقات جميعا ذوات العدد مرادات بجميع ما في هذه السورة غير أنه عز وجل ذكر المراجعة لمن عليه المراجعة منهن، لا لمن سواهن ممن لا رجعة عليه من سائر المطلقات ولما انتفى أن يكون حديث فاطمة حجة لما ذكرنا يجب الأخذ بها وحمل سائر المطلقات المعتدات عليها، رجعنا إلى أقوال أهل العلم في ذلك، فوجدناهم على ثلاثة أقوال: فطائفة تقول: لا نفقة لها ولا سكنى، وتحتج لما تقول بحديث فاطمة الذي رويناه في هذا الباب، وقد ثبت انتفاء ما في حديث فاطمة من أن يكون حجة لهذا المعنى وطائفة تقول: لها السكنى والنفقة، منهم أبو حنيفة، وسفيان، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد، وكثير من أهل العلم سواهم، ويحتجون في ذلك بما روينا عن عمر، وابن مسعود من آرائهما، وما رواه عمر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرنا وطائفة تقول: لها السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا، فتكون لها النفقة والسكنى حتى

تضع حملها، ويحتجون في إيجابهم السكنى بما يقول الله عز وجل: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ، وهذا على العموم، ويحتجون في وجوب النفقة لها بقوله عز وجل: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} وممن قال ذلك: مالك، والشافعي، وكثير من أهل الحجاز، فذهبوا هذا المذهب حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك، بقوله الذي ذكرنا عنه في هذا وذكر الشافعي فيما ذكره لنا الربيع عنه هذا وإن أصل حديث فاطمة الذي ذكرنا يرجع إلى المعنى الذي كان يذهب إليه في المطلقات المبتوتات غير الحوامل، أنه لا نفقة لهن في عددهن على من طلقهن، وأن لهن السكنى عليهم إلى انقضاء عددهن، وقال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة في حديثها الذي ذكرناه، يعني حديث مالك، عن عبد الله

بن يزيد، عن أبي سلمة، عن فاطمة: " لا نفقة لك " أي لأنك غير حامل، وانتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم لبذائك الذي صرت به من أهل الفاحشة التي أباح الله عز وجل بها إخراج المطلقات اللاتي يكون فيهن قال: وإنما جاء تخليط هذا الحديث عن فاطمة بما رواه الشعبي لأنه روى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: " لا نفقة لك ولا سكنى " وأما ما روى عنها الحجازيون أصحابنا فموافق لقولنا، وغير خارج عن مذهبنا الذي ذكرنا، يعني أن لها السكنى،

ولا نفقة قال أحمد: ولم يكن للقول عندنا في ذلك كما ذكر، ولا كان أصل حديث فاطمة إلا كما رواه الشعبي عنها لإتقانه، ولضبطه، ولفضل حفظه، ولتقدمه في العلم، ولعلو مرتبته فيه، ولأنه قد وافقه على ذلك غير واحد من أهل الحجاز، منهم عبيد الله بن عبد الله، وقبيصة، وابن أبي الجهم، ومحمد بن عبد الرحمن، وأبو سلمة فقد وافقه على ذلك لأن مالكا، وإن كان لم يرو ذلك عن عبد الله، عن أبي سلمة إلا كما سقط إليه وكما ذكرناه عنه رواه عن عبد الله، عن أبي سلمة كما رواه الشعبي عن فاطمة سواء ووافقه على ذلك يحيى بن أبي كثير مع جلالته وعلمه، وفضل حفظه، وإتقانه، وعلو مرتبته حتى لقد قال أيوب السختياني فيه

ما حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا المنقري، قال: حدثنا وهيب بن خالد، قال: سمعت أيوب، يقول: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير، فقدمه على الناس جميعا ووافق يحيى على ذلك الحارث بن عبد الرحمن خال ابن أبي ذئب، وهو رجل من أهل العلم صحيح الرواية، فروى عن أبي سلمة، عن فاطمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مثل الذي رواه الشعبي، عن فاطمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه

فأما ما ذهب إليه الشافعي من إبطال النفقة على فاطمة لأنها كانت غير ذات حمل، فإنما ذلك تأويل تأوله في

حديثها، ولم يجده منصوصا وقد تأوله غيره على غير ما تأوله عليه، فتأوله على أنها إنما منعت النفقة بالبذاء الذي كان فيها الواجب به عليها الخروج من منزلها، فصار ذلك الخروج الذي لزمها بالفعل الذي كان منها نشوزا، فحرمت النفقة بذلك النشوز كما يقول في المطلقة المستحقة للنفقة إذا نشزت بالخروج من منزل زوجها، لم يكن لها عليه نفقة ما كانت كذلك، فلم يكن أحد التأويلين اللذين ذكرناهما في حديث فاطمة أولى من الآخر به ثم عدنا إلى النفقة على المطلقات الحوامل اللائي لا رجعة عليهن لمن طلقهن، فقال قائلون من أهل العلم: قصده عز وجل إلى {وأولات الأحمال} بالإنفاق عليهن إذ كن كذلك، دليل على أنهن إذا لم تكن كذلك فلا نفقة لهن قيل لهم: قد يحتمل ذلك غير ما ذهبتم إليه منه وتأولتموه عليه، لأنه قد يجوز أن يكون أراد عز وجل بقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} الإخبار بأن النفقة تنقطع عنهن عند وضعهن حملهن بوضع الحمل، فيكون إنما قصد عز وجل بذلك إلى الإخبار عن النهاية التي تتناهى إليها بالنفقة على الحوامل المطلقات، كما قال الله عز وجل: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ، فأخبر عز وجل بالنهاية التي بها يكون انقضاء العدة من الحوامل، وكقوله عز وجل: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} ، أي فإذا بلغ أجله جاز عزم عقدة النكاح ولن تخلو الحامل المطلقة المبتوتة من أن

يكون الإنفاق عليها للعدة التي هي فيها من الطلاق، أو أن الإنفاق عليها مقصود به إلى الولد الذي في بطنها من مطلقها، لأنه لا يوصل إلى ما يغذى به إلا بما تغذيه أمه الحامل به، فإن كان للعدة التي هي فيها فكل مطلقة في عدة فلها مثل ما لهذه المعتدة حاملا كانت أو غير حامل وإن كانت النفقة إنما هي على

الحمل، وإنما يدفع إلى أمه غذاء الصبي، إذ كان لا يوصل إلى تغذيته إلا بذلك، فقد رأيناهم لا يختلفون في الولد الصغير المولود إذا كان موسرا أنه لا نفقة له على أبيه، وأن أباه لو أنفق عليه بحكم القاضي له بذلك عليه على أن لا مال له، ثم علم أنه قد كان له مال يومئذ يغنيه عن وجوب النفقة له على أبيه، رجع أبوه بما أنفقه عليه، وأخذه من ماله ورأيناهم لا يختلفون في وجوب النفقة على هذه الحوامل، وأنه إن أنفق عليها ثم علم أنه كان بحملها مال في الوقت الذي أوجب القاضي النفقة فيه على أبيه بموت أخ لأمه ترك مالا، فورث منه ما صار به غنيا، أن أباه لا يرجع في ماله بشيء من ذلك فدل ذلك على أن المقصود بالنفقة إليه فيما ذكرنا، هي الأم المطلقة المعتدة، لا حملها، لأنه لو كان الحمل المقصود إليه بالنفقة لكان للمنفق أن يرجع في مال الحمل الذي ذكرنا بما أنفقه عليه، إذ كان إنما أنفقه عليه على أن لا مال له، ثم قد علم أن له مالا فإذا انتفى أن

تكون النفقة مرجوعا بها على الحمل فيما ذكرنا، انتفى أن تكون تلك النفقة كانت على الحمل، وثبت أنها كانت على أمه المطلقة المعتدة، ولما ثبت ذلك كان ذلك كل مطلقة معتدة ذات حمل، أو غير ذات حمل فثبت بذلك وجوب النفقة والسكنى للمعتدات المطلقات، حوامل كن أو غير حوامل، بوائن أو غير بوائن كما قال أبو حنيفة، وسفيان، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد فيما ذكرناه عنهم في ذلك:

ت. الدكتور سعد الدين أونال — مركز البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي، استانبول — الأولى