Skip to content

Books to be read, not browsed

تفسير قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

From ⁧الطرق الحكمية في السياسة الشرعية⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 239 of 553.

تفسير قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}

وقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282]، فيه دليل على أن الشاهد إذا نسي شهادته فذكره بها غيره لم يرجع إلى قوله حتى يذكرها وليس له أن يقلده، فإنه سبحانه قال: {فتذكر إحداهما الأخرى} ولم يقل: فتخبرها، وفيها قراءتان : التثقيل والتخفيف ، والصحيح: أنهما بمعنى واحد من "الذكر" وأبعد من قال: فيجعلها ذكرا، لفظا ومعنى ، فإنه سبحانه جعل ذلك علة للضلال الذي هو ضد الذكر، فإذا ضلت أو نسيت ذكرتها الأخرى فذكرت، وقوله تعالى: {أن تضل} تقديره عند الكوفيين: لئلا تضل إحداهما، ويطردون ذلك في كل ما جاء من هذا، كقوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] ونحوه.

ويرد عليهم نصب قوله: {فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] إذ يكون تقديره: لئلا تضل، ولئلا تذكر، وقدره البصريون بمصدر

علة استشهاد امرأتين مكان رجل واحد

محذوف، وهو الإرادة والكراهة والحذار ونحوها، فقالوا: يبين الله لكم أن تضلوا ، أي حذار أن تضلوا، وكراهة أن تضلوا، ونحوه.

ويشكل عليهم هذا التقدير في قوله: {أن تضل إحداهما} فإنهم إن قدروه كراهة أن تضل إحداهما كان حكم المعطوف عليه - وهو فتذكر - حكمه، فيكون مكروها، وإن قدروها إرادة أن تضل إحداهما كان الضلال مرادا.

والجواب عن هذا: أنه كلام محمول على معناه، والتقدير: أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وهذا مراد قطعا ، والله أعلم.

فصل

قال شيخنا ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282]، فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم # الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل" ، فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن فيه على نصف رجل، وما يقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هو أشياء تراها بعينها، أو تلمسه بيدها، أو تسمعه بأذنها من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة.

Ed. Nayif ibn Ahmad al-Hamad — Dar 'Alam al-Fawa'id, Makka