مناظرة الإمام أحمد وابن المديني في الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة
ومعلوم أن عمر لم يقل لابن عباس "أشهد عندك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك"، ولكن أخبر به، فسماه شهادة.
وقد تناظر الإمام أحمد وعلي بن المديني في العشرة - رضوان الله عليهم - فقال علي: أقول: "هم في الجنة، ولا أشهد بذلك" بناء على أن الخبر في ذلك خبر آحاد، فلا يفيد العلم، والشهادة إنما تكون على العلم، فقال له الإمام أحمد: "متى قلت: هم في الجنة، فقد شهدت" حكاه القاضي أبو يعلى ، وذكره شيخنا ابن تيمية - رحمه الله -.
فكل من أخبر بشيء فقد شهد به، وإن لم يتلفظ بلفظ "أشهد" .
ومن العجب: أنهم احتجوا على قبول الإقرار بقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] .
قبول إقرار المرء على نفسه، وتسمية الإقرار شهادة
قالوا: هذا يدل على قبول إقرار المرء على نفسه، ولم يقل أحد: إنه لا يقبل الإقرار حتى يقول المقر "أشهد على نفسي"، وقد سماه الله تعالى شهادة.
قال شيخنا - رحمه الله تعالى -: فاشتراط لفظ "الشهادة" لا أصل له في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من الصحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظ "الشهادة" لغة على ذلك، وبالله التوفيق.
وعلى هذا فليس الإخبار طريقا آخر غير طريق الشهادة .
إذا رأى القاضي حجة فيها حكمه لإنسان فيطلب منه إمضاءه والعمل به
فصل
الطريق الثالث والعشرون: الحكم بالخط المجرد
وله صور ثلاث :
الصورة الأولى: أن يرى القاضي حجة فيها حكمه لإنسان، فيطلب منه إمضاءه والعمل به، فقد اختلف في ذلك ، فعن أحمد ثلاث روايات ، إحداهن: أنه إذا تيقن أنه خطه نفذه، وإن لم يذكره. والثانية: أنه لا ينفذه حتى يذكره. والثالثة: أنه إذا كان في حرزه وحفظه كمنظره ونحوه نفذه، وإلا فلا.
قال أبو البركات : وكذلك الرواية في شهادة الشاهد: بناء على خطه إذا لم يذكره .
والمشهور من مذهب الشافعي: أنه لا يعتمد على الخط، لا في # الحكم ولا في الشهادة، وفي مذهبه وجه آخر: أنه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظا عندهما ، كالرواية الثالثة.
وأما مذهب أبي حنيفة: فقال الخصاف : قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا لا يحفظه - كإقرار الرجل بحق من الحقوق أو شهادة شهود شهدوا عنده لرجل على رجل بحق من الحقوق - وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه، فإنه لا يحكم بذلك، ولا ينفذه حتى يذكره .
وقال أبو يوسف ومحمد: ما وجده القاضي في ديوانه - من شهادة شهود شهدوا عنده لرجل على رجل بحق، أو إقرار رجل لرجل بحق، # والقاضي لا يحفظ ذلك ولا يذكره - فإنه ينفذ ذلك، ويقضي به، إذا كان تحت خاتمه محفوظا، ليس كل ما في ديوان القاضي يحفظه .
وأما مذهب مالك: فقال في "الجواهر" : لا يعتمد على الخط إذا لم يذكر ، لإمكان التزوير عليه .
قال القاضي أبو محمد : إذا وجد في ديوانه حكما بخطه، ولم يذكر أنه حكم به لم يجز له أن يحكم به، إلا أن يشهد عنده شاهدان .
قال : وإذا نسي القاضي حكما حكم به، فشهد عنده شاهدان أنه قضى به: نفذ الحكم بشهادتهما، وإن لم يذكره ، وعن