أحاديث شبه الولد بأبيه أو أمه
يشبهها ولدها؟ " متفق عليه، ولمسلم من حديث أنس بن مالك عن أم سليم قالت: "وهل يكون هذا - يعني الماء -؟ فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا - أو سبق - يكون الشبه منه".
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن امرأة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل تغتسل المرأة إذا احتلمت، وأبصرت الماء؟ فقال: نعم، فقالت لها عائشة: تربت يداك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذاك" رواه مسلم .
وله أيضا من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: "كنت قائما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء حبر من أحبار
تعليل الرواية التي فيها تأثير علو ماء الرجل والمرأة في التذكير والإيناث
اليهود فقال: السلام عليك: جئت أسألك عن الولد؟ فقال: ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله" .
وسمعت شيخنا - رحمه الله - يقول: في صحة هذا اللفظ نظر .
قلت: لأن المعروف المحفوظ في ذلك إنما هو تأثير سبق الماء في الشبه، وهو الذي ذكره البخاري من حديث أنس: "أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فأتاه، فسأله عن أشياء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد" .
فهذا السؤال الذي سأل عنه عبد الله بن سلام والجواب الذي أجابه به النبي - صلى الله عليه وسلم - هو نظير السؤال الذي سأل عنه الحبر، والجواب واحد، ولا سيما إن كانت القصة واحدة، والحبر هو عبد الله بن سلام، فإنه # سأله وهو على دين اليهود، فأنس عين اسمه، وثوبان قال: "جاء حبر من اليهود" وإن كانتا قصتين والسؤال واحد فلا بد أن يكون الجواب كذلك.
وهذا يدل على أنهم إنما سألوا عن الشبه، ولهذا وقع الجواب به وقامت به الحجة، وزالت به الشبهة.
وأما الإذكار والإيناث فليس بسبب طبيعي، وإنما سببه الفاعل المختار الذي يأمر الملك به، مع تقدير الشقاوة والسعادة، والرزق، والأجل، ولذلك جمع بين هذه الأربع في الحديث: "فيقول الملك: يا رب، ذكر؟ يا رب، أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك" .
وقد رد سبحانه ذلك إلى محض مشيئته في قوله تعالى: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50)} [الشورى: 49 - 50].
والتعليق بالمشيئة وإن كان لا ينافي ثبوت السبب فذلك إذا علم كون الشيء سببا، ودل على سببيته العقل والنص، والإذكار والإيناث # [لا] يعلم له سبب طبيعي يعلم بالعقل وبالنص ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سليم: "ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا - أو سبق - يكون الشبه" ، فجعل للشبه سببين: علو الماء، وسبقه.
وبالجملة، فعامة الأحاديث إنما هي في تأثير سبق الماء وعلوه في الشبه، وإنما جاء تأثير ذلك في الإذكار والإيناث في حديث ثوبان وحده ، وهو فرد بإسناده، فيحتمل أنه اشتبه على الراوي فيه الشبه بالإذكار والإيناث، وإن كان قد قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو الحق الذي لا شك فيه، ولا ينافي سائر الأحاديث، فإن الشبه من السبق، والإذكار والإيناث من العلو، وبينهما فرق، وتعليقه على المشيئة لا ينافي تعليقه على السبب، كما أن الشقاوة والسعادة والرزق معلقات بالمشيئة، وحاصلة بالسبب، والله أعلم.