لم لم يقع التسعير في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة؟
فصل
وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة؛ لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء، ولا من يبيع طحينا وخبزا، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجلابين؛ ولهذا جاء في الحديث: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" .
وكذلك لم يكن في المدينة حائك، بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها .
المسألة الأولى: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فهل يمنع؟ وهل يمنع من النقصان؟
فصل في التسعير
وقد
تنازع العلماء في التسعير في مسألتين
إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب، فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك، فإنه يمنع من ذلك عند مالك .
وهل يمنع من النقصان؟ على قولين لهم .
واحتج مالك - رحمه الله - بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا" .
قول المالكية في المسألة
قال مالك : لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت، وأما أن يقول للناس كلهم يعني : لا تبيعوا إلا بسعر كذا، فليس ذلك بالصواب، وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الأيلة ، حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب: "خل بينهم وبين ذلك، فإنما السعر بيد الله".
قال ابن رشد في كتاب البيان : "أما الجلابون فلا خلاف في أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه، وإنما يقال لمن شذ منهم، فباع بأغلى مما يبيع به العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق، كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له: "إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا" ؛ لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به # أهل السوق.
وأما أهل الحوانيت والأسواق، الذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا، مثل اللحم والأدم والفواكه، فقيل: إنهم كالجلابين، لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم، وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس، وإما أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في هذه الرواية .
وممن روي عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله .
وقيل: إنهم في هذا بخلاف الجلابين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبه.
وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم، فمن