احتجاج المعينين بالأختيار، والجواب عنه
النكاح ونقله من محل إلى محل لا يجوز.
قلنا: ليس في القرعة في الطلاق نقل له عمن استحقه إلى غيره، بل هي كاشفة عمن توجه الطلاق إليها ووقع عليها.
فصل
قال المعينون بالاختيار: قد حصل التحريم في واحدة لا بعينها، فكان له تعيينها باختياره، كما لو أسلم الحربي وتحته خمس نسوة، أو أختان اختار .
قال أصحاب القرعة: هذا القياس مبطل ، أولا بالمنسية، فإن المحرمة منهن بعد النسيان غير معينة، وليس له تعيينها.
وهذا الجواب غير قوي؛ فإن التحريم ها هنا وقع في معينة، ثم أشكلت، بل الجواب الصحيح أن يقال: لا تطلق عليه الأخت والخامسة بمجرد الإسلام، بل إذا عين الممسكات أو المفارقات حصلت الفرقة من حين التعيين، ووجبت العدة من حينئذ.
وسر المسألة: أن الشارع خيره بين من يمسك ويفارق؛ نظرا له، وتوسعة عليه، ولو أمره بالقرعة ها هنا فربما أخرجت القرعة عن نكاحه # من يحبها، وأبقت عليه من يبغضها، ودخوله في الإسلام يقتضي ترغيبه فيه، وتحبيبه إليه، فكان من محاسن الإسلام رد ذلك إلى اختياره وشهوته، بخلاف ما إذا طلق هو من تلقاء نفسه واحدة منهن .
على أن القياس الذي احتجوا به فاسد أيضا، فإنه ينكسر بما إذا اختلطت زوجته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة، فإنه ليس له تعيين المحرمة .
فإن قيل: ولا إخراجها بالقرعة.
قلنا: نحن لم نستدل بدليل يرد علينا فيه هذا، بخلاف من استدل بمن ينكسر عليه بذلك.
فإن قيل: التحريم ها هنا كان في معين ثم اشتبه.
قيل: لما اشتبه وزال دليل تعيينه صار كالمبهم، وهذا حجة مالك عليكم، حيث حرم الجميع، لإبهام المحرمة منهن .
قال أصحاب التعيين: التحريم ها هنا حكم تعلق بفرد لا بعينه من جملة، فكان المرجع في تعيينه إلى المكلف، كما لو باع قفيزا من صبرة .
قال أصحاب القرعة: الإبهام إنما يصح في البيع، حيث تتساوى الأجزاء، ويقوم كل جزء منها مقام الآخر في التعيين، فلا تفيد القرعة ها هنا قدرا زائدا على التعيين، وليس كذلك الطلاق، فإن محله لا تتساوى أفراده، ولا الغرض من هذا هو الغرض من هذا، فهو بمسألة المسافر بإحدى الزوجات أشبه منه بمسألة القفيز من الصبرة المتساوية ، ألا ترى أن التهمة تلحق في التعيين ها هنا، وفي مسألة القسمة، وفي مسألة الطلاق، ولا تلحق في التعيين في مسألة القفيز من الصبرة المتساوية؟ وهذا فقه المسألة: أن الموضع الذي تلحق فيه التهمة شرعت فيه القرعة نفيا لها وما لا تلحق فيه لا فائدة فيها.
على أن هذا القياس منتقض بما إذا أعتق عبدا مبهما من عبيده، أو أراد السفر بإحدى نسائه.