الفرق بين هذه المسألة والمسألتين اللتين قبلها
استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات، فألزمهم ديته ، وقاس عليه أصحابنا كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل .
وأما هذه الصورة التي نقضتم بها فلا ترد.
والفرق بينها وبين الشاهد والحاكم: أنهما سببان للإتلاف بترك ما وجب عليهما من الشهادة والحكم، ومن تسبب إلى إتلاف مال غيره وجب عليه ضمانه، وفي هذه الصورة لم يكن من الممسك عن التخليص سبب يقتضي الإتلاف، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
عدم مخالفة هذا الحكم لظاهر القرآن
فصل
الطريق الثامن من طرق الحكم: الحكم بالرجل الواحد والمرأتين.
قال الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282].
فإن قيل: فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، وأنه لا يقضى بهما إلا عند عدم الشاهدين.
قيل : القرآن لا يدل على ذلك، فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها، فإن شهادة الرجل الواحد أقوى من شهادة المرأتين؛ لأن النساء يتعذر غالبا حضورهن مجالس الحكام، وحفظهن وضبطهن دون حفظ الرجال وضبطهم، ولم يقل سبحانه: احكموا بشهادة رجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، وقد جعل - سبحانه وتعالى - المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام: أحدها: هذا، والثاني: في # الميراث ، والثالث: في الدية ، والرابع: في العقيقة ، والخامس: في العتق، كما في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أعتق امرءا مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار" و"ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتق الله بكل عضو منهما عضوا منه من النار" .