تصرف المتأخرين في نصوص الأئمة
وكذلك إذا قبلنا قوله وحده: جاز ذلك، وإن جعلناه شاهدا، كما نقبل قول القاسم والخارص والمقوم والطبيب ونحوهم وحده.
ومنهم من يبني الخلاف على كونه شاهدا أو مخبرا، فإن جعلناه مخبرا اكتفي بخبره وحده، كالخبر عن الأمور الدينية، وإن جعلناه شاهدا لم نكتف بشهادته وحده ، وهذا أيضا ضعيف، فإن الشاهد مخبر، والمخبر شاهد، وكل من شهد بشيء فقد أخبر به، والشريعة لم تفرق بين ذلك أصلا، وإنما هذا على أصل من اشترط في قبول الشهادة لفظ "الشهادة" دون مجرد الإخبار، وقد تقدم بيان ضعف ذلك ، وأنه لا دليل عليه، بل الأدلة كثيرة - من الكتاب والسنة - تدل على خلافه.
والقضايا التي رويت في القافة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بعده ليس في قضية واحدة منها أنهم قالوا للقائف: تلفظ بلفظة "أشهد أنه ابنه" ولا تلفظ بذلك القائف أصلا، وإنما وقع الاعتماد على مجرد خبره، وهو شهادة منه، وهذا بين لمن تأمله، ونصوص أحمد لا تشعر بهذا البناء الذي ذكروه بوجه، وإنما المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة ويبنونها على ما لم يخطر لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال،
نصوص الإمام أحمد في المسألة
ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يلزمهم من طرده لوازم لا يقول بها الأئمة، فمنهم من يطردها ويلتزم القول بها، ويضيف ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به، فيروج بين الناس بجاه الأئمة، ويفتى ويحكم به والإمام لم يقله قط، بل يكون قد نص على خلافه.
ونحن نذكر نصوص الإمام أحمد في هذه المسألة:
قال جعفر بن محمد النسائي: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الولد يدعيه الرجلان؟ قال: يدعى له رجلان من القافة، فإن ألحقاه بأحدهما، فهو له .
وقال محمد بن داود المصيصي: سئل أبو عبد الله عن جارية بين رجلين وقعا عليها؟ قال: إن ألحقوه بأحدهما فهو له، قيل له: إن قال أحد القافة: هو لهذا، وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان، فيكونا كشاهدين .
وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن قال أحد القافة هو لهذا، وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان، فيكونا # كشاهدين ، وإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا فهو له .
واحتج من رجح هذا القول بأنه حكم بالشبه، فيعتبر فيه العدد، كالحكم بالمثل في جزاء الصيد.
قالوا: بل هو أولى؛ لأن درك المثلية في الصيد أظهر بكثير من دركها ها هنا؛ فإذا تابع القائف غيره سكنت النفس واطمأنت إلى قوله.
وقال أحمد - في رواية أبي طالب - في الولد يكون بين الرجلين: يدعى القائف، فإذا قال: هو منهما فهو منهما ، انظر إلى ما يقول القائف، وإن جعله لواحد فهو لواحد .
وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: وسئل عن القائف هل يقضى بقوله؟ فقال: يقضى بذلك إذا علم.
ومن حجة هذا القول - وهو اختيار القاضي وصاحب # "المستوعب" ، والصحيح من مذهب الشافعي ، وقول أهل الظاهر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سر بقول مجزز المدلجي وحده ، وصح عن عمر - رضي الله عنه - أنه استقاف المصطلقي وحده، كما تقدم ، واستقاف ابن عباس ابن كلدة وحده، واستلحق بقوله .
وقد نص أحمد على أنه يكتفى بالطبيب والبيطار الواحد إذا لم يوجد سواه والقائف مثله، فتخرج له رواية ثالثة كذلك، والله