أخبار عن الصحابة والتابعين في استعمال الفراسة في القضاء والحكم
وقال هلال بن العلاء الرقي عن القاسم بن منصور عن عمر بن بكير : مر إياس بن معاوية، فسمع قراءة من علية، فقال: هذه قراءة امرأة حامل بغلام، فسئل، كيف عرفت ذلك؟ فقال: سمعت صوتا ونفسها يخالطه ، فعلمت أنها حامل وسمعت صوتا وصحلا ، فعلمت أن الحمل غلام، ومر بعد ذلك بكتاب فيه # صبيان، فنظر إلى صبي منهم، فقال: هذا ابن تلك المرأة فكان كما قال .
وقال رجل لإياس بن معاوية : علمني القضاء. فقال: إن القضاء لا يعلم، إنما القضاء فهم، ولكن قل: علمني من العلم .
وهذا هو سر المسألة، فإن الله - سبحانه وتعالى - يقول: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 78، 79] فخص سليمان بفهم القضية، وعمهما بالعلم .
وكذلك كتب عمر إلى قاضيه أبي موسى في كتابه المشهور: "والفهم الفهم فيما أدلي إليك" .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما ورد في السنة في المعاريض
والذي اختص به إياس وشريح مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم: الفهم في الواقع، والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال، وهذا الذي فات كثيرا من الحكام، فأضاعوا كثيرا من الحقوق .
فصل
ومن أنواع الفراسة: ما أرشدت إليه السنة النبوية من التخلص من المكروه بأمر سهل جدا، من تعريض بقول أو فعل.
فمن ذلك: ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارا يؤذيني. فقال: "انطلق، فأخرج متاعك إلى الطريق". فانطلق، فأخرج متاعه. فاجتمع الناس إليه ، فقالوا: ما شأنك؟ قال: إن لي جارا يؤذيني. فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخرجه. فبلغه ذلك، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك أبدا .
فهذه وأمثالها هي الحيل التي أباحتها الشريعة، وهي تحيل الإنسان بفعل مباح على تخلصه من ظلم غيره وأذاه، لا الاحتيال على إسقاط فرائض الله واستباحة محارمه .
وفي "المسند" و"السنن" عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في صلاته فلينصرف، فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف" .
وفي السنة كثير من ذكر المعاريض التي لا تبطل حقا ، ولا تحق باطلا كقوله - صلى الله عليه وسلم - للسائل : ممن أنتم؟ قالوا: "نحن من ماء" . وقوله للذي ذهب بغريمه ليقتله: "إن قتله فهو مثله" .