Skip to content

Books to be read, not browsed

فصل — زاد المعاد في هدي خير العباد

From ⁧زاد المعاد في هدي خير العباد⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 1,080 of 2,628.

فصل

vol. 3 · p. 173

تقاتلون، لم نرجع، فرجع عنهم، وسبهم، وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى، وسلك حرة بني حارثة، وقال: ( «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب» ) ؟ ، فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: ( «لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر» ) .

ونفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت، تعبى للقتال، وهو في سبعمائة، فيهم خمسون فارسا، واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد الله بن جبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا يفارقوه، ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم.

فظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يومئذ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو، واستعرض الشباب يومئذ فرد من استصغره عن القتال، وكان منهم عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم،

[السلام على الصبيان والنسوان]

vol. 3 · p. 174

وزيد بن ثابت، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأجاز من رآه مطيقا، وكان منهم سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة. فقيل: أجاز من أجاز لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة، ورد من رد لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: إنما أجاز من أجاز لإطاقته، ورد من رد لعدم إطاقته، ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر: ( «فلما رآني مطيقا أجازني» ) .

وتعبت قريش للقتال، وهم في ثلاثة آلاف، وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة، وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب.

وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى: الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه، ومالوا معه، فكان أول من لقي المسلمين، فنادى قومه، وتعرف إليهم، فقالوا له: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا، وكان شعار المسلمين يومئذ أمت.

Publ. Mu'assasat al-Risala, Beirut — Maktabat al-Manar al-Islamiyya, Kuwait · 27th edition, 1415 AH / 1994 CE