[فصل في هديه في الأرض المغنومة]
vol. 3 · p. 401
فصل
وفي القصة: «أن رجلا من الصحابة يقال له أبو شاه، قام فقال: اكتبوا لي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اكتبوا لأبي شاه» ) يريد خطبته، ففيه دليل على كتابة العلم ونسخ النهي عن كتابة الحديث، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» ) وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن في الكتابة لحديثه.
وصح عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب حديثه، وكان مما كتبه صحيفة تسمى الصادقة، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها.
فصل
وفي القصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت وصلى فيه، ولم يدخله حتى محيت الصور منه. ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصور، وهذا أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام؛ لأن كراهة الصلاة في الحمام، إما لكونه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان، وهو الصحيح، وأما محل الصور فمظنة الشرك غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور.
فصل
وفي القصة: أنه دخل مكة، وعليه عمامة سوداء، ففيه دليل على جواز لبس
vol. 3 · p. 402
السواد أحيانا، ومن ثم جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعارا لهم، ولولاتهم، وقضاتهم، وخطبائهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه لباسا راتبا، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض.
فصل
ومما وقع في هذه الغزوة، إباحة متعة النساء، ثم حرمها قبل خروجه من مكة، واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة، على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يوم خيبر، وهذا قول طائفة من العلماء. منهم الشافعي وغيره.
والثاني: أنه عام فتح مكة، وهذا قول ابن عيينة وطائفة.
والثالث: أنه عام حنين، وهذا في الحقيقة هو القول الثاني، لاتصال غزاة حنين بالفتح.
والرابع: أنه عام حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة، سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع، كما سافر وهم معاوية من عمرة الجعرانة إلى حجة الوداع، حيث قال: قصرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص على المروة في حجته، وقد تقدم في الحج، وسفر الوهم من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن واقعة إلى واقعة كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم.
والصحيح: أن المتعة إنما حرمت عام الفتح؛ لأنه قد ثبت في " صحيح مسلم " أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بإذنه، ولو كان التحريم زمن خيبر، لزم النسخ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ولا يقع مثله فيها، وأيضا: فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات، وإنما كن يهوديات، وإباحة نساء أهل