[فصل في خرص الثمار على رءوس النخل]
vol. 4 · p. 70
والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وأصح قولي الشافعي، إذ الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه.
ومن منع منه قال أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير، ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران كان الأخذ بالعموم أولى؛ ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدري أبلغت الرخصة من بعدهما أم لا؟
والصحيح عموم الرخصة، فإنه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص، وعدم إلحاق غير من رخص له أولا به، كقوله لأبي بردة في تضحيته بالجذعة من المعز: ( «تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك» ) وكقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في نكاح من وهبت نفسها له: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] .
وتحريم الحرير إنما كان سدا للذريعة، ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة كما حرم النظر سدا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدا لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حرم ربا الفضل سدا لذريعة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا،
vol. 4 · p. 71
وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب " التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير "
فصل وأما الأمر الطبي: فهو أن الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية، لأن مخرجه من الحيوان وهو كثير المنافع جليل الموقع، ومن خاصيته تقوية القلب وتفريحه والنفع من كثير من أمراضه، ومن غلبة المرة السوداء والأدواء الحادثة عنها ; وهو مقو للبصر إذا اكتحل به والخام منه - وهو المستعمل في صناعة الطب - حار يابس في الدرجة الأولى. وقيل حار رطب فيها: وقيل معتدل. وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخنا للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه.
قال الرازي: الإبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، يربي اللحم، وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة وبالعكس.
قلت: والملابس ثلاثة أقسام: قسم يسخن البدن ويدفئه، وقسم يدفئه ولا يسخنه، وقسم لا يسخنه ولا يدفئه، وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه، إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ، وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه.
قال صاحب " المنهاج ": ولبسه لا يسخن كالقطن بل هو معتدل، وكل لباس أملس صقيل فإنه أقل إسخانا للبدن، وأقل عونا في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن يلبس في الصيف وفي البلاد الحارة.
ولما كانت ثياب الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليبس والخشونة