Skip to content

Books to be read, not browsed

[ماء زمزم] — زاد المعاد في هدي خير العباد

From ⁧زاد المعاد في هدي خير العباد⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 2,598 of 2,628.

[ماء زمزم]

vol. 5 · p. 709

الصحاري والبرية دون البنيان يعني: أن البنيان إذا كان فيه الماء، فليس لأحد الدخول إليه إلا بإذن صاحبه، وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره؟ فيه وجهان، وهما روايتان عن أحمد.

أحدهما: لا يلزمه وهو مذهب الشافعي؛ لأن الزرع لا حرمة له في نفسه، ولهذا لا يجب على صاحبه سقيه بخلاف الماشية.

والثاني: يلزمه بذله، واحتج لهذا القول بالأحاديث المتقدمة وعمومها، ومما روي ( «عن عبد الله بن عمرو أن قيم أرضه بالوهط كتب إليه يخبره أنه سقى أرضه، وفضل له من الماء فضل يطلب بثلاثين ألفا، فكتب إليه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أقم قلدك، ثم اسق الأدنى، فالأدنى، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع فضل الماء» ) .

قالوا: وفي منعه من سقي الزرع إهلاكه وإفساده، فحرم كالماشية. وقولكم: لا حرمة له، فلصاحبه حرمة، فلا يجوز التسبب إلى إهلاك ماله، ومن سلم لكم أنه لا حرمة للزرع؟ قال أبو محمد المقدسي: ويحتمل أن يمنع نفي الحرمة عنه، فإن إضاعة المال منهي عنها، وإتلافه محرم، وذلك دليل على حرمته.

فإن قيل: فإذا كان في أرضه أو داره بئر نابعة، أو عين مستنبطة، فهل تكون ملكا له تبعا لملك الأرض والدار؟ قيل: أما نفس البئر وأرض العين فمملوكة لمالك الأرض، وأما الماء ففيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، ووجهان لأصحاب الشافعي.

vol. 5 · p. 710

أحدهما: أنه غير مملوك؛ لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه، فأشبه الجاري في النهر إلى ملكه.

والثاني: أنه مملوك له، قال أحمد في رجل له أرض ولآخر ماء، فاشترك صاحب الأرض وصاحب الماء في الزرع: يكون بينهما؟ فقال: لا بأس، وهذا القول اختيار أبي بكر.

وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك كالقار والنفط والموميا والملح، وكذلك الكلأ النابت في أرضه كل ذلك يخرج على الروايتين في الماء، وظاهر المذهب أن هذا الماء لا يملك، وكذلك هذه الأشياء قال أحمد: لا يعجبني بيع الماء البتة، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم بينهم نهر تشرب منه أرضهم لهذا يوم، ولهذا يومان يتفقون عليه بالحصص، فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدراهم؟ قال: ما أدري، أما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن بيع الماء، قيل: إنه ليس يبيعه، إنما يكريه، قال: إنما احتالوا بهذا ليحسنوه، فأي شيء هذا إلا البيع انتهى.

وأحاديث اشتراك الناس في الماء دليل ظاهر على المنع من بيعه، وهذه المسألة التي سئل عنها أحمد هي التي قد ابتلي بها الناس في أرض الشام وبساتينه وغيرها، فإن الأرض والبستان يكون له حق من الشرب من نهر، فيفصل عنه، أو يبنيه دورا وحوانيت، ويؤجر ماءه، فقد توقف أحمد أولا، ثم أجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء، فلما قيل له: إن هذه إجارة، قال: هذه التسمية حيلة، وهي تحسين اللفظ، وحقيقة العقد البيع، وقواعد الشريعة تقتضي المنع من بيع هذا الماء، فإنه إنما كان له حق التقديم في سقي أرضه من هذا الماء المشترك بينه وبين غيره، فإذا استغنى عنه لم يجز له المعاوضة عنه، وكان المحتاج إليه أولى به بعده، وهذا كمن أقام على معدن، فأخذ منه حاجته لم يجز له أن يبيع باقيه بعد نزعه عنه.

Publ. Mu'assasat al-Risala, Beirut — Maktabat al-Manar al-Islamiyya, Kuwait · 27th edition, 1415 AH / 1994 CE