[فصل في المحفوظ في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة]
vol. 1 · p. 309
عائشة فاختلف على ابن شهاب فيه، فقال مالك عنه: فإذا فرغ يعني من قيام الليل، اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين، وهذا صريح أن الضجعة قبل سنة الفجر، وقال غيره عن ابن شهاب: فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن.
قالوا: وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قاله مالك، لأنه أثبتهم فيه وأحفظهم. وقال الآخرون: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكا، وقال أبو بكر الخطيب: روى مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين» )
وخالف مالكا، عقيل، ويونس، وشعيب، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، وغيرهم، فرووا عن الزهري، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يركع الركعتين للفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيخرج معه» ) فذكر مالك أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر. وفي حديث الجماعة، أنه اضطجع بعدهما، فحكم العلماء أن مالكا أخطأ وأصاب غيره، انتهى كلامه.
وقال أبو طالب: قلت لأحمد: حدثنا أبو الصلت، عن أبي كدينة، عن
[فصل في أنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي حال المأمومين وغيرهم]
vol. 1 · p. 310
سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر» ، قال: شعبة لا يرفعه. قلت: فإن لم يضطجع، عليه شيء؟ قال: لا، عائشة ترويه وابن عمر ينكره. قال الخلال: وأنبأنا المروزي أن أبا عبد الله قال: حديث أبي هريرة ليس بذاك. قلت: إن الأعمش يحدث به عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: عبد الواحد وحده يحدث به. وقال إبراهيم بن الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال: ما أفعله، وإن فعله رجل، فحسن. انتهى.
فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح صحيحا عنده، لكان أقل درجاته عنده الاستحباب، وقد يقال: إن عائشة رضي الله عنها روت هذا، وروت هذا، فكان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فليس في ذلك خلاف، فإنه من المباح، والله أعلم.
وفي اضطجاعه على شقه الأيمن سر، وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر، استثقل نوما، لأنه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب، وطلبه مستقره، وميله إليه، ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة وطيب المنام، وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن، لئلا يثقل نومه فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن، والله أعلم.
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل
قد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضا عليه أم لا؟ والطائفتان احتجوا بقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} [الإسراء: 79] [الإسراء: 79] قالوا: فهذا صريح في عدم الوجوب، قال الآخرون: أمره بالتهجد في هذه السورة، كما أمره في قوله تعالى: {ياأيها المزمل - قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 1 - 2] [المزمل: 1، 2] . ولم