[فصل في أنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي حال المأمومين وغيرهم]
vol. 1 · p. 327
إيمان، فكذلك من أوتي تدبرا، وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر.
قالوا: وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح.
وقال أصحاب الشافعي رحمه الله: كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من قرأ حرفا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» ) . رواه الترمذي وصححه.
قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة، وذكروا آثارا عن كثير من السلف في كثرة القراءة.
والصواب في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا، فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا، والثاني: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة.
وفي "صحيح البخاري " عن قتادة قال: «سألت أنسا عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (كان يمد مدا) »
وقال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس: (لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلا ولا بد، فاقرأ قراءة تسمع أذنيك، ويعيها قلبك)
vol. 1 · p. 328
وقال إبراهيم: قرأ علقمة على ابن مسعود، وكان حسن الصوت، فقال: رتل فداك أبي وأمي، فإنه زين القرآن.
وقال ابن مسعود: (لا تهذوا القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة)
وقال عبد الله أيضا: (إذا سمعت الله يقول: {ياأيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تصرف عنه) .
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: دخلت علي امرأة وأنا أقرأ (سورة هود) فقالت: يا عبد الرحمن: هكذا تقرأ سورة هود؟! والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من قراءتها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقراءة في صلاة الليل تارة، ويجهر بها تارة، ويطيل القيام تارة، ويخففه تارة، ويوتر آخر الليل - وهو الأكثر - وأوله تارة، وأوسطه تارة.
وكان يصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قبل أي جهة توجهت به، فيركع ويسجد عليها إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وقد روى أحمد وأبو داود عن أنس بن مالك، قال: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعا، استقبل القبلة، فكبر للصلاة، ثم خلى عن راحلته، ثم صلى أينما توجهت به» ) . فاختلف الرواة عن أحمد: هل يلزمه أن يفعل ذلك إذا قدر عليه؟ على روايتين: فإن أمكنه الاستدارة إلى القبلة في صلاته كلها مثل أن يكون في محمل أو عمارية ونحوها، فهل يلزمه، أو