[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف]
vol. 1 · p. 511
وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم، وتأتي الأخرى، فيصلي بهم ركعتين ويسلم، فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاة.
وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، فتذهب ولا تقضي شيئا، وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة، ولا تقضي شيئا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة، وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها.
قال الإمام أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز.
وقال: ستة أوجه أو سبعة، تروى فيها، كلها جائزة، وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه، أو تختار واحدا منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن. وظاهر هذا أنه جوز أن تصلي كل طائفة معه ركعة ركعة، ولا تقضي شيئا، وهذا مذهب ابن عباس،
vol. 1 · p. 512
وجابر بن عبد الله، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والحكم، وإسحاق بن راهويه. قال صاحب " المغني ": وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك، وأصحابنا ينكرونه.
وقد روى عنه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف صفات أخر ترجع كلها إلى هذه، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفة، والصحيح: ما ذكرناه أولا، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من اختلاف الرواة. والله أعلم.
vol. 1 · p. 513
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة هديه في الزكاة أكمل هدي، في وقتها وقدرها ونصابها ومن تجب عليه ومصرفها. وقد راعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين، وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه، وقيد النعمة بها على الأغنياء، فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاته، بل يحفظه عليه وينميه له، ويدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له.
ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال دورانا بين الخلق، وحاجتهم إليها ضرورية.
أحدها: الزرع والثمار.
الثاني: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم، وهما الذهب والفضة.
الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها.
ثم إنه أوجبها مرة كل عام، وجعل حول الزروع والثمار عند كمالها واستوائها، وهذا أعدل ما يكون، إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة يضر بأرباب الأموال، ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين، فلم يكن أعدل من وجوبها كل عام مرة.
ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها،