[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف]
vol. 1 · p. 513
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة هديه في الزكاة أكمل هدي، في وقتها وقدرها ونصابها ومن تجب عليه ومصرفها. وقد راعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين، وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه، وقيد النعمة بها على الأغنياء، فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاته، بل يحفظه عليه وينميه له، ويدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له.
ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال دورانا بين الخلق، وحاجتهم إليها ضرورية.
أحدها: الزرع والثمار.
الثاني: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم، وهما الذهب والفضة.
الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها.
ثم إنه أوجبها مرة كل عام، وجعل حول الزروع والثمار عند كمالها واستوائها، وهذا أعدل ما يكون، إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة يضر بأرباب الأموال، ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين، فلم يكن أعدل من وجوبها كل عام مرة.
ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها،
[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء]
vol. 2 · p. 5
وسهولة ذلك ومشقته، فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعا محصلا من الأموال وهو الركاز. ولم يعتبر له حولا، بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به.
وأوجب نصفه وهو العشر فيما كانت مشقة تحصيله وتعبه وكلفته فوق ذلك، وذلك في الثمار والزروع التي يباشر حرث أرضها وسقيها وبذرها، ويتولى الله سقيها من عنده بلا كلفة من العبد، ولا شراء ماء، ولا إثارة بئر ودولاب.
وأوجب نصف العشر فيما تولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح وغيرها. وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفا على عمل متصل من رب المال بالضرب في الأرض تارة، وبالإدارة تارة، وبالتربص تارة، ولا ريب أن كلفة هذا أعظم من كلفة الزرع والثمار، وأيضا فإن نمو الزرع والثمار أظهر وأكثر من نمو التجارة، فكان واجبها أكثر من واجب التجارة، وظهور النمو فيما يسقى بالسماء والأنهار أكثر مما يسقى بالدوالي والنواضح، وظهوره فيما وجد محصلا مجموعا كالكنز، أكثر وأظهر من الجميع.