[غلط ابن حزم وبيان أنه لم يحج]
vol. 2 · p. 386
كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار، فقال فيه: (فعليكم) وحديث سفيان في " الصحيحين " ورواه النسائي من حديث ابن عيينة عن عبد الله بن دينار بإسقاط " الواو "، وفي لفظ لمسلم والنسائي: فقل (عليك) بغير واو.
وقال الخطابي: عامة المحدثين يروونه (وعليكم) بالواو وكان سفيان بن عيينة يرويه (عليكم) بحذف الواو، وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما قالوا، لأن الواو حرف للعطف والاجتماع بين الشيئين. انتهى كلامه.
وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكل، فإن " السام " الأكثرون على أنه الموت، والمسلم والمسلم عليه مشتركون فيه فيكون في الإتيان بالواو بيان لعدم الاختصاص، وإثبات المشاركة، وفي حذفها إشعار بأن المسلم أحق به وأولى من المسلم عليه، وعلى هذا فيكون الإتيان بالواو هو الصواب وهو أحسن من حذفها، كما رواه مالك وغيره، ولكن قد فسر السام بالسآمة، وهي الملالة وسآمة الدين، قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بد، ولكن هذا خلاف المعروف من هذه اللفظة في اللغة؛ ولهذا جاء في الحديث ( «إن الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» ) ولا يختلفون أنه الموت. وقد ذهب بعض المتحذلقين
vol. 2 · p. 387
إلى أنه يرد عليهم السلام بكسر السين، وهي الحجارة، جمع سلمة، ورد هذا الرد متعين.
صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق» ) لكن قد قيل: إن هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: ( «لا تبدءوهم بالسلام» ) فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقا، أو يختص بمن كانت حاله بمثل حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه» ) والظاهر أن هذا حكم عام.
وقد اختلف السلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم: لا يبدءون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السلام عليك فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمة.
وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون.