[هل التحصيب سنة]
vol. 3 · p. 19
وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه؛ لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها.
وأما أصحابه، فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب، منهم: عمار بن ياسر، وأمه سمية، وأهل بيته عذبوا في الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول: ( «صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» ) .
ومنهم: بلال بن رباح، فإنه عذب في الله أشد العذاب، فهان على قومه، وهانت عليه نفسه في الله، وكان كلما اشتد عليه العذاب يقول: أحد أحد، فيمر به ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال، أحد أحد، أما والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا.
فصل
ولما اشتد أذى المشركين على من أسلم وفتن منهم من فتن حتى يقولوا لأحدهم: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون: وهذا إلهك من دون الله، فيقول: نعم، ومر عدو الله أبو جهل
vol. 3 · p. 20
بسمية أم عمار بن ياسر وهي تعذب وزوجها وابنها، فطعنها بحربة في فرجها حتى قتلها.
كان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية لبني عدي كان عمر يعذبها على الإسلام قبل إسلامه، وقال له أبوه: يا بني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت قوما جلدا يمنعونك، فقال له أبو بكر: (إني أريد ما أريد) .
فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلا وأربع نسوة: عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود.
وخرجوا متسللين سرا فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من المبعث، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدا، ثم بلغهم أن قريشا قد كفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار بلغهم أن قريشا أشد ما كانوا عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل من دخل بجوار، وفي تلك المرة دخل ابن مسعود فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فلم يرد عليه، فتعاظم ذلك على ابن مسعود حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إن الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» ) هذا هو الصواب، وزعم ابن