[وهم آخر لمن قال إنه لم يعين في إحرامه نسكا]
vol. 3 · p. 44
سلمة، ولكنها احتبست دونه ومنعت من اللحاق به سنة، وحيل بينها وبين ولدها سلمة، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة، وشيعها عثمان بن أبي طلحة.
ثم خرج الناس أرسالا يتبع بعضهم بعضا، ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي، أقاما بأمره لهما، وإلا من احتبسه المشركون كرها، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه.
فصل
فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا وحملوا، وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج، وعرفوا أن الدار دار منعة، وأن القوم أهل حلقة وشوكة وبأس، فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ولحوقه بهم، فيشتد عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليهم وشيخهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصماء في كسائه، فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار كل أحد منهم برأي، والشيخ يرده ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه رأي ما أراكم قد وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا، ثم نعطيه سيفا صارما، فيضربونه
[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة]
vol. 3 · p. 45
ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنع، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق إليهم ديته، فقال الشيخ: لله در الفتى، هذا والله الرأي، قال: فتفرقوا على ذلك، واجتمعوا عليه، فجاءه جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى، فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة.
( «وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعا، فقال له: " أخرج من عندك " فقال: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال أبو بكر: فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن» ) .
وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه، ويريدون بياته، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذره على رءوسهم، وهم لا يرونه، وهو يتلو: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9] [يس: 9] ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلا، وجاء رجل ورأى القوم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم وذر على رءوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، وهم: أبو جهل، والحكم بن العاص، وعقبة بن أبي معيط،