Skip to content

Books to be read, not browsed

إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 22 of 104.

ولعله قد بان تقدمه عليه، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه، ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه، كما ترى الجاحظ يفعل

في كتبه، متى ذكر من كلامه سطرا أتبعه من كلام الناس أوراقا، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا ".

وفى هذا الكلام حق كثير، وظلم مبين، وأين كلام ابن العميد من سحر الجاحظ؟ هيهات هيهات أن يقارنه أو يقاربه.

* * * ثم عقد فصلا في ص 380 لبيان أن عجز سائر أهل الاعصار عن الاتيان بمثل القرآن ثابت، كعجز أهل العصر الاول.

ثم أعقبه بفصل في التحدي ووجه الحاجة إليه في باب القرآن ص 382.

وتلاه بفصل في قدر المعجز من القرآن عند الاشاعرة والمعتزلة ص 386.

" فذهب عامة الاشاعرة إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن: السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها.

قال الاشعري: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز، ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر.

وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة ".

وبعده فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ ص 393 وقد ذهب إلى

أن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك غير البليغ من العرب، فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه عن الاتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه.

وجعل الفصل الذى يليه ص 394 فيما يتعلق به الاعجاز: أهو الحروف المنظومة؟ أم الكلام القائم بالذات؟ أم غير ذلك؟ وذهب إلى أن التحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة، التي هي عبارة عن كلام الله تعالى، في نظمها وتأليفها، وهي حكاية لكلامه، ودلالات عليه، وأما رات له، على أن يكونوا مستأنفين لذلك، لا حاكمين لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر فصلا في وصف وجوه من البلاغة، بدأه بقوله: " ذكر بعض أهل الأدب والكلام: أن البلاغة على عشرة أقسام..".

وهذا البعض الذى لم يشأ

أن يصرح باسمه، هو معاصره أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي وقد نقل الباقلانى هذا الفصل الطويل بأمثلته من كتابه: " النكت في إعجاز القرآن "، وعلق عليه تعليقات شتى.

وقد ذيلت كل مثال نقله بما قاله الرماني فيه، لتتم فائدة القارئ، وليستبين الفرق بين الرجلين.

ثم عقد الباقلانى فصلا في حقيقة المعجز ص 436، فبين معنى إعجازه على أصول الاشاعرة بأنه لا يقدر العباد عليه، وإنما ينفرد الله بالقدرة عليه، ولما لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد على مثله، لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز، وقد أجرى الله العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم وأن لا يقدروا عليه.

ولو كان غير خارج عن العادة لاتوا بمثله، أو عرضوا عليه من كلام فصحائهم وبلغائهم ما يعارضه.

فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم، وأساليب نظامهم، وزالت أطماعهم عنه.

وتعرض في هذا الفصل لنظم القرآن ص 43، وأن أصحابه قالوا فيه: إن الله يقدر

على نظم هيئة أخرى تزيد في الفصاحة عليه، كما يقدر على مثله وأما بلوغ بعض نظم القرآن الرتبة التى لا مزيد عليها، فقد قال مخالفونا: إن هذا غير ممتنع.

والذى نقوله: إنه لا يمتنع أن يقال إنه يقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم أبلغ وأبدع من القرآن كله.

وأما قدر العباد فهي متناهية في كل ما يقدرون عليه، مما تصح قدرتهم عليه ".

وعقد بعد ذلك فصلا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأمور تتصل بالاعجاز، بين فيه أنه محال أن يكون القرآن من كلامه عليه السلام، ورد فيه على قول من يقول لولا أن كلامه معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل بين المعوذتين وبين غيرهما من القرآن، وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو من القرآن أم لا.

وقال: إن هذا من تخليط الملحدين، وإن الذى يروونه في ذلك خبر واحد، لا يسكن إليه في مثل هذا ولا يعمل به.

وقد جوز أن يكون أبى قد كتب دعاء القنوت على ظهر مصحفه لئلا ينساه، كما جوز أن يكون ابن مسعود قد شذ عن

مصحفه إثبات المعوذتين، أو أن يكون الناقل اشتبه عليه الامر، لان مصحفه مخالف في النظم والترتيب مصحف عثمان.

وقال: " ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره على ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه؟ ! وقد علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة المولدة في الاجماع المتقرر، والاتفاق المعروف؟ " ثم قال: " ولو كان القرآن من كلامه، لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة وخطبة ينشئهما رجل واحد، وكانوا يعارضونه، لأنا قد علمنا أن القدر الذي

بين كلامهم وبين كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لا يخرج إلى حد الإعجاز، ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه من جنس أوزان كلامهم، وليس كذلك نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك ".

ثم أجاب إجابة دقيقة موفقة على اعتراض أورده في ص 446 وهو: " ولو كان القرآن معجزا لم يختلف أهل الملة في وجه إعجازه؟ " ثم أعقبه بفصل موجز لبيان أن من شرط المعجز أن يعلم أنه أتى به من ظهر عليه.

ثم ذكر الباقلانى الفصل الاخير من كتابه ص 452، وقال في مستهله: " قد ذكرنا في الإبانة عن معجز القرآن وجيزا من القول، رجونا أن يكفي، وأملنا أن يقنع، والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الأطراف، واسع الأكناف، لعلو شأنه، وشريف مكانه.

والذي سطرناه في الكتاب، وأن كان موجزا، وما أمليناه فيه، وإن كان خفيفا، فإنه ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه ويهدى إلى الحجة، ومتى عظم محل الشئ فقد يكون الإسهاب فيه عيا، والإكثار في وصفه تقصيرا..ولولا أن العقول تختلف، والأفهام تتباين، والمعارف تتفاضل - لم نحتج إلى ما تكلفنا، ولكن الناس يتفاوتون في المعرفة، ولو اتفقوا فيها لم يجز أن يتفقوا في معرفة هذا الفن، أو يجتمعوا في الهداية إلى هذا العلم، لاتصاله بأسباب خفية، وتعلقه بعلوم غامضة الغور، عميقة القعر، كثيرة المذاهب، قليلة

الطلاب، ضعيفة الاصحاب، وبحسب تأتى مواقعه تقع الإفهام دونه، وعلى قدر لطف مسالكه يكون القصور عنه.

فإذا كان نقد الكلام كله صعبا، وتمييزه شديدا، والوقوع على اختلاف فنونه متعذرا، وهذا في كلام الآدميين، فما ظنك بكلام رب العالمين؟ "

ثم قال: " وقد بينا في نظم القرآن أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، والأسلوب يختص بمعنى آخر من الشرف ".

وأطلق لقلمه العنان في وصف القرآن وما اشتمل من جوامع المعاني وعظيم البلاغة وعجيب النظم المفارق لسائر النظوم، فأتى في ذلك بما يلذ ويشوق.

ويعجب ويطرب، ومن قوله في هذا المعنى: " تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض رشيق، غير معتاص على الأسماع، ولا مغلق على الأفهام، ولا مستكره في اللفظ ولا مستوحش في المنظر، غريب في الجنس، غير غريب في القبيل، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفا وغضارة، يسري في القلب كما يسري السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ الفجر، ويزخر كما يزخر البحر، طموح، العباب، جموح على المتناول المنتاب، كالروح في البدن، والنور المستطير في الافق،.

والغيث الشامل، والضياء الباهر، (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ، من توهم أن الشعر يلحق شأوه بان ضلاله، ووضح جهله، إذ الشعر سمت قد تناولته الألسن، وتداولته القلوب، وانثالت عليه الهواجس، وضرب الشيطان فيه بسهمه، وأخذ منه بحظه.

وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلا، وأقرب مأخذا، وأسهل مطلبا.

والقرآن كتاب دل على صدق متحمله، ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها، وبرهان شهد له براهين الانبياء المتقدمين،.

Ed. al-Sayyid Ahmad Saqr — Dar al-Ma'arif, Egypt — 5th ed., 1997 CE