Skip to content

Books to be read, not browsed

إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 35 of 104.

ويبين ذلك من القرآن: أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن

فقال: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن.

فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) (2) إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه.

فإذا ثبت أنه وصف كلامهم، ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم، صح أن يوصف الشئ المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة.

وهذان الجوابان أسد عندي من جواب " بعض المتكلمين " عنه، بأنه عجز الإنس (3) عن القرآن يثبت له حكم الإعجاز، فلا يعتبر غيره.

/ ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق المشاهدة عجز الجن عنه، فقال لنا قائل: فدلوا على أن الملائكة تعجز عن الإتيان بمثله، لم يكن لنا في الجواب غير هذه الطريقة التي قد بيناها.

وإنما ضعفنا هذا الجواب، لأن الذي حكى وذكر عجز الجن والإنس (4) عن الإتيان بمثله - فيجب أن نعلم عجز الجن عنه، كما علمنا عجز الإنس عنه.

ولو كان وصف عجز الملائكة عنه، لوجب أن نعرف ذلك أيضا بطريقه.

فإن قيل: أنتم (5) قد انتهيتم إلى ذكر الاعجاز في التفاصيل، وهذا الفصل إنما يدل على الإعجاز في الجملة؟ قيل: هذا كما أنه يدل على الجملة، فإنه يدل على التفصيل أيضا، فصح (6) أن يلحق هذا القبيل.

كما كان يصح أن يلحق بباب الجمل.

* * *

ومعنى سادس: وهو أن الذي ينقسم عليه الخطاب، من البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التى توجد في كلامهم - موجودة في القرآن.

وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم، في الفصاحة / والإبداع والبلاغة.

وقد ضمنا بيان ذلك [من] بعد، لأن الوجه ههنا ذكر المقدمات، دون البسط والتفصيل.

* * * ومعنى سابع، وهو أن المعاني التى تضمنها (1) في أصل وضع الشريعة والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع، وذلك (2) أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور، ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه - بأن التفاضل في البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى، والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر - فالبراعة أظهر، والفصاحة أتم.

* * * ومعنى ثامن، وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، / بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها (3) الاسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديا غامرا سائر ما تقرن (3) به،

كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.

وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهى غرة جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه وتخصصه، برونقه وجماله

واعتراضه في حسنه (1) ومائه، وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص، ليتحقق ما ادعيناه منه.

ولولا هذه الوجوه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة، وكانوا ينظرون في أمرهم، ويراجعون أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها.

فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة.

إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه.

ولا يمتنع أن يلتبس - على من لم يكن بارعا فيهم، ولا متقدما في الفصاحة منهم - هذا الحال، حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى / يعرف حال عجز غيره.

إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك، تحققا بظهور العجز وتبينا له.

وأما قوله تعالى حكاية عنهم: (لو نشاء لقلنا مثل هذا) (2) فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم [وقد يمكن أن يكون قاله منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها] ، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم، وهو يدل على عجزهم.

ولذلك أورده الله مورد

تقريعهم، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز، والضمان إلى الوفاء، فلما لم يفعلوا (3) ذلك - مع استمرار التحدي وتطاول زمان الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه - علم عجزهم، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط.

ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيات، وفي وصف الأزمة والأنساع، والأمور التي لا يؤبه لها، ولا يحتاج إليها، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس، ويتبجحون به أشد التبجح، فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة، والعبارات الفصيحة، مع تضمن المعارضة لتكذيبه، والذب عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم، وتضليله إياهم.

والتخلص من منازعته، ثم من محاربته ومقارعته.

ثم لا يفعلون شيئا من ذلك، / وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل، ويعللونها بالاباطيل.

[هذا محال] .

* * * ومعنى تاسع، وهو: أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفا.

وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة.

وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفا.

ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم.

والذى تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية وبنوا عليها وجوهها - أقسام، نحن ذاكروها: فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مهجورة.

فالمهموسة منها عشرة، وهي: الحاء، والهاء، والخاء، والكاف، والشين، والثاء، والفاء، والتاء، والصاد، والسين.

وما سوى ذلك من الحروف فهي مهجورة.

وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور.

وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء، لا زيادة ولا نقصان.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م