Skip to content

Books to be read, not browsed

فصل في وصف وجوه من البلاغة — إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 96 of 104.

فصل في وصف وجوه من البلاغة

/ وهبت لها ما حازه الجيش كله * وأبت ولم يكشف لأبياتها ستر (5) وما راح يطغيني بأثوابه الغنى * ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر وما حاجتي في المال أبغي وفوره * إذا لم أفر وفرى فلا وفر الوفر (6) والشئ إذا صدر من أهله، وبدا من أصله، وانتسب إلى ذويه - سلم في نفسه، وبانت فخامته وشوهد (7) أثر الاستحقاق فيه.

وإذا صدر من متكلف، وبدا من متصنع - بان أثر الغربة (8) عليه،

وظهرت مخايل الاستيحاش فيه، وعرف شمائل التحير (1) منه.

إنا نعرف في شعر أبي نواس أثر الشطارة، وتمكن البطالة، وموقع كلامه في وصف ما هو سبيله من أمر العيارة (2) ، ووصف / الخمر والخمار، كما نعرف موقع كلام ذي الرمة في وصف المهامه والبوادى والجمال والانساع والازمة.

وعيب أبي نواس التصرف في وصف الطلول والرباع والوحش،

ففكر في قوله: دع الأطلال تسفيها الجنوب * وتبلي عهد جدتها الخطوب (3) وخل لراكب الوجناء أرضا * تخب به النجيبة والنجيب (4) بلاد نبتها عشر وطلح * وأكثر صيدها ضبع وذيب (5) ولا تأخذ عن الأعراب لهوا * ولا عيشا، فعيشهم جديب دع الألبان يشربها رجال * رقيق العيش عندهم غريب (6) إذا راب الحليب فبل عليه * ولا تحرج، فما في ذاك حوب (7) فأطيب منه صافية شمول * يطوف بكأسها ساق أديب (8) كأن هديرها في الدن يحكي * قراة القس قابله الصليب أعاذل أقصري عن طول لومي * فراجي توبتي عندي يخيب تعيبين الذنوب، وأي حر * من الفتيان ليس له ذنوب؟ ! / وقوله: صفة الطلول بلاغة الفدم * فاجعل صفاتك لابنة الكرم (9)

وسمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول: سمعت براكويه (1) الزنجاني يقول: أنشد بعض الشعراء هلال بن يزيد قصيدة على وزن قصيدة الأعشى: ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟ وكان وصف فيها الطلل، قال براكويه (2) : فقال لي هلال: فقلت بديها: إذا سمعت فتى يبكي على طلل * من أهل زنجان، فاعلم أنه طلل * * * وإنما ذكرت لك هذه الأمور، لتعلم أن الشئ في معدنه أعز، وإلى مظانه أحن (3) ، وإلى أصله أنزع، وبأسبابه أليق، وهو (4) يدل على ما صدر منه، وينبه ما انتج عنه، ويكون قراره على موجب / صورته، وأنواره على حسب محله، ولكل شئ حد ومذهب، ولكل كلام سبيل ومنهج.

وقد ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في كلام مسيلمة ما أخبرتك به، فقال: إن هذا كلام لم يخرج من آل (5) .

فدل على أن الكلام الصادر عن عزة الربوبية ورفعة الالهية، يتميز عما لم يكن كذلك.

* * * ثم رجع الكلام بنا إلى ما ابتدأنا به من عظيم شأن البيان (6) ، ولو لم يكن فيه إلا ما من به الله على خلقه بقوله: (خلق الإنسان علمه البيان) (7) .

فأما بيان القرآن فهو أشرف بيان وأهداه، وأكمله وأعلاه، وأبلغه وأسناه.

/ تأمل قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) (1) في شدة التنبيه على تركهم الحق والإعراض عنه.

وموضع امتنانه بالذكر والتحذير (2) .

وقوله: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) (3) وهذا بليغ في التحسير.

وقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) (4) وهذا يدل على كونهم مجبولين على الشر، معودين لمخالفة النهي والأمر (5) .

وقوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (6) هو في نهاية المنع (7) من الخلة إلا على التقوى.

وقوله: (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) (8) .

وهذا نهاية في التحذير من التفريط.

وقوله: (أفمن يلقى في النار خيرا أم من يأتي آمنا يوم القيامة.

/ اعملوا ما شئتم، إنه بما تعملون بصير) (9) هو النهاية في الوعيد والتهديد (10) وقوله: (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون: هل إلى مرد من

سبيل.

وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى) (1) نهاية في الوعيد.

وقوله: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون) (2) نهاية في الترغيب.

وقوله: (ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذا لذهب

كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض) (3) ، وكذلك قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (4) نهاية في الحجاج (5) .

وقوله: (وأسروا قولكم أو اجهروا به، إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير) (6) نهاية في الدلالة على علمه بالخفيات.

/ ولا وجه للتطويل، فإن بيان الجميع في الرفعة وكبر المنزلة على سواء (7) .

وقد ذكرنا من قبل: أن البيان يصح أن يتعلق به الإعجاز، وهو معجز من القرآن.

* * * وما حكينا عن " صاحب الكلام: من " المبالغة " في اللفظ - فليس ذلك بطريق الاعجاز، لان الوجوه التى ذكرها قد تتفق في كلام غيره، وليس ذلك بمعجز، بل قد يصح أن يقع في المبالغة في المعنى والصفة، وجوه من اللفظ تثمر (8) الاعجاز.

* * * و " تضمين المعاني " أيضا (9) قد يتعلق به الإعجاز إذا حصلت للعبارة طريق البلاغة في أعلى (10) درجاتها.

وأما " الفواصل " فقد بينا أنه يصح أن يتعلق بها الإعجاز، وكذلك قد بينا في المقاطع والمطالع نحو هذا، وبينا في " تلاؤم " الكلام ما سبق: من صحة تعلق الإعجاز به.

/ والتصرف في " الإستعارة " البديعة يصح أن يتعلق به الإعجاز، كما يصح مثل ذلك في حقائق الكلام، لأن البلاغة في كل واحد من البابين تجري مجرى واحدا وتأخذ مأخذا مفردا.

* * * وأما " الإيجاز والبسط " فيصح أن يتعلق بهما الإعجاز (1) ، كما يتعلق بالحقائق.

* * * و " الاستعارة " و " البيان " في كل واحد منهما ما لا (2) يضبط وحده، ولا يقدر قدره، ولا يمكن التوصل إلى ساحل بحره بالتعلم، ولا يتطرق إلى غوره بالتسبب، وكل ما يمكن تعلمه، ويتهيأ تلقنه، ويمكن تحصيله (3) ، ويستدرك أخذه - فلا يجب أن يطلب وقوع الاعجاز به.

ولذلك قلنا: إن " السجع " ما ليس يلتمس فيه الإعجاز، لأن ذلك أمر محدود، وسبيل مورود، ومتى تدرب الإنسان به واعتاده لم يستصعب عليه أن يجعل جميع كلامه منه.

وكذلك " التجنيس " و " التطبيق " متى أخذ أخذهما (4) وطلب وجههما،

/ استوفى ما شاء، ولم يتعذر عليه أن يملأ خطابه منه، كما أولع بذلك أبو تمام والبحتري، وإن كان البحتري أشغف بالمطابق، وأقل طلبا للمجانس.

فإن قال قائل: هلا قلت: إن هذين البابين يقع فيهما مرتبة عالية، لا يوصل إليها بالتعلم، ولا تملك بالتعمل، كما ذكرتم في البيان وغير ذلك؟ قلنا: لو عمد إلى كتاب " الأجناس "، ونظر في كتاب " العين "، لم يتعذر عليه التجنيس الكثير.

فأما " الإطباق " فهو أقرب منه، وليس كذلك البيان والوجوه التي رأينا الإعجاز فيها، لأنها لا تستوفى بالتعلم.

فإن قيل: فالبيان قد يتعلم؟ قيل: إن الذى يمكن أن يتوصل إليه بالتعلم يتقارب (1) فيه الناس، وتتناهى فيه العادات، وهو كما يعلم من مقادير القوى في حمل الثقيل، وأن الناس يتقاربون (2) في ذلك، فيرمون (3) فيه إلى حد، فإذا تجاوزوه وقفوا بعده ولم يمكنهم التخطي، ولم يقدروا على التعدي، إلا أن يحصل ما يخرق العادة، وينقض العرف، ولن يكون ذلك إلا للدلالة على النبوات، على شروط في ذلك.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م