تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 169
وأوضح منه قوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} جعل انتفاء الملزوم سببا لانتفاء اللازم لأن كذبوا ملزوم عدم الإيمان والتقوى فأخذهم بذلك ملزوم عدم فتح بركات السماء والأرض عليهم. والفاء في قوله: {فأخذناهم} للسببية وجعل التكذيب سببا لأخذهم بكفرهم ولعل ذلك يختلف باختلاف المواد ووقوع الأفراد مع أن القول ما قاله ابن الخباز وأما ما جاء على خلافه فذلك من خصوص المادة وذلك لا يقدح في القضية الكلية ألا ترى أنا نقول: الموجبة الكلية لا تنعكس كلية مع أنها تنعكس كلية في بعض المواضع كقولنا كل إنسان ناطق ولا يعد ذلك مبطلا للقاعدة.
تنبيهان.
التنبيه الأول: متى يذكر مفعول المشيئة والإرادة؟.
يستثنى من هذه القاعدة ثلاثة أمور:.
أحدها: ما إذا كان مفعول المشيئة عظيما أو غريبا فإنه لا يحذف، كقوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه} الآية. أراد رد قول الكفار: [اتخذ الله ولدا] بما يطابقه في اللفظ ليكون أبلغ في الرد لأنه لو حذفه فقال: [لو أراد الله لاصطفى] لم يظهر المعنى المراد لأن الاصطفاء قد لا يكون بمعنى التبني ولو قال: لو أراد الله لاتخذ ولدا لم يكن فيه. ما في إظهاره من تعظيم جرم قائله.
ومثله صاحب كتاب [القول الوجيز في استنباط علم البيان من الكتاب.
vol. 3 · p. 170
العزيز] بقوله تعالى: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} . وقوله: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} . و {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} وفيما ذكره نظر.
قلت: يجيء الذكر في مفعول الإرادة أيضا إذ كان كقوله تعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهوا} .
الثاني: إذا احتيج لعود الضمير عليه فإنه يذكر كقوله: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه} فإنه لو حذف لم يبق للضمير ما يرجع عليه.
وقد يقال: الضمير لم يرجع عليه وإنما عاد على معمول معموله.
الثالث: أن يكون السامع منكرا لذلك أو كالمنكر فيقصد إلى إثباته عنده فإن لم يكن منكرا فالحذف.
والحاصل أن حذف مفعول [أراد] و [شاء] لا يذكر إلا لأحد هذه الثلاثة.
التنبيه الثاني: في إنكار أبي حيان للقاعدة السابقة.
أنكر الشيخ أبو حيان في باب عوامل الجزم من شرح التسهيل هذه القاعدة وقال غلط البيانيون في دعواهم لزوم حذف مفعول المشيئة إلا فيما إذا كان مستغربا وفي القرآن: {لمن شاء منكم أن يستقيم} {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} ولهم أن يقولوا: إن المفعول هاهنا عظيم فلهذا صرح به فلا غلط.