تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 347
[قولوا] عليه أولى لاتفاقهما لفظا ومعنى وإن كان التقدير: [ويحسنون] فهو الذي قبله والعطف على القريب أولى. وقيل: {لا تعبدون} أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي يسارع إلى الانتهاء فهومخبر عنه.
وكذا قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} في موضع [لا تسفكوا] .
وقوله في سورة الصف: {وبشر المؤمنين} عطفا على قوله: {تؤمنون بالله ورسوله} ولهذا جزم الجواب.
وقوله: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} إلى قوله: {وامتازوا اليوم} فإن المقام يشتمل على تضمين [إن أصحاب الجنة اليوم] معنى الطلب بدليل ما قبله: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا} فإنه كلام وقت الحشر لوروده ومعطوفا بالفاء على قوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} وعام لجميع الخلق لعموم قوله: {لا تظلم نفس شيئا} وإن الخطاب الوارد بعده على سبيل الالتفات وهو قوله: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} خطاب عام لأهل المحشر، فيكون قوله: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} إلى قوله: {أيها المجرمون} مقيدا بهذا الخطاب لكونه تفصيلا لما أجمله: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} وإن التقدير أن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر ثم جاء في التفسير أن قوله هذا: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} يقال لهم حين يساق بهم إلى الجنة بتنزيل ما هو للتكوين منزلة الكائن أي أن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤول حالهم.
vol. 3 · p. 348
إلى أسعد حال والتقدير حينئذ: فامتازوا عنكم إلى الجنة، هكذا قرره السكاكي في"المفتاح".
قيل: وفيه نظر لأنها إذا كانت طلبية ومعناها أمر المؤمنين بالذهاب إلى الجنة فليكن الخطاب معهم لا مع أهل المحشر.
ولهذا قال بعضهم: إن تضمين أصحاب أهل الجنة للطلب ليس المراد منه أن الجملة نفسها طلبية بل معناه أن يقدر جملة إنشائية بعدها بخلاف قوله: {وقولوا للناس حسنا} .
ومنه قوله تعالى: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم} فإنه يقال: كيف جاء الجزم في جواب الخبر وجوابه أنه لما كان في معنى الأمر جاز ذلك إذ المعنى: آمنوا وجاهدوا.
وقال ابن جني: لا يكون [يغفر] جوابا ل[هل أدلكم] وإن كان أبو العباس قد قاله لأن المغفرة تحصل بالإيمان لا بالدلاة. انتهى. وقد يقال الدلالة: سبب السبب.
إذا علمت هذا فإنما يجيء الأمر بلفظ الخبر الحاصل تحقيقا لثبوته وأنه مما ينبغي أن يكون واقعا ولا بد وهذا هو المشهور.
وفيه طريقة أخرى نقلت عن القاضي أبي بكر وغيره وهي أن هذا خبر حقيقة غير مصروف عن جهة الخبرية ولكنه خبر عن حكم الله وشرعه ليس خبرا عن الواقع حتى يلزم ما ذكره من الإشكال وهو احتمال عدم وقوع مخبره فإن هذا إنما يلزم الخبر عن الواقع أما الخبر عن الحكم فلا لأنه لا يقع خلافه أصلا.