تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 349
وضع الطلب موضع الخبر.
كقوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} .
وقوله: {قل أنفقوا طوعا أو كرها} .
وقوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} .
وقوله: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك} فقوله: {وألق} معطوف على قوله: {أن بورك} ف[ألق] وإن كان إنشاء لفظا لكنه خبر معنى. والمعنى: فلما جاءها قيل: بورك من في النار وقيل: ألق.
والموجب لهذا قول النحاة إن أن هذه مفسرة لا تأتي إلا بعد فعل في معنىالقول وإذا قيل كتبت إليه أن ارجع وناداني أن قم كله بمنزلة: قلت له وقال لي قم كذا قاله صاحب المفتاح.
وما ذكره من أن بورك خبرية لفظا ومعنى ممنوع لجواز أن يكون دعاء وهو إنشاء وقد ذكر هذا التقدير الفارسي وأبو البقاء فتكون الجملتان متفقتين في معنى الإنشاء فتكون مثل {لا تعبدون إلا الله} .
وقوله: {يا ليتنا نرد ولا نكذب} إلى قوله: {وإنهم لكاذبون} فإنه يقال: كيف ورد التمني على التكذيب وهو إنشاء؟.
vol. 3 · p. 350
وأجاب الزمخشري أنه ضمن معنى العدة وأجاب غيره بأنه محمول على المعنى من الشرط والخبر كأنه قيل: إن زددنا لم نكذب وآمنا والشرط خبر فصح ورود التكذيب عليه.
وقوله: {اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} أي ونحن حاملون بدليل قوله: {إنهم لكاذبون} والكذب إنما يرد على الخبر.
وقوله: {أسمع بهم وأبصر} تقديره: ما أسمعهم وأبصرهم! لأن الله تعالى لم يتعجب منهم ولكنه دل المكلفين على أن هؤلاء قد نزلوا منزلة من يتعجب منه.
ومما يدل على كونه ليس أمرا حقيقيا ظهور الفاعل الذي هو الجار والمجرور في الأول وفعل الأمر لا يبرز فاعله أبدا.
ووجه التجوز في هذا الأسلوب أن الأمر شأنه أن يكون ما فيه داعية للأمر وليس الخبر كذلك فإذا عبر عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالداعية فيكون ثبوته وصدقه أقرب. هذا بالنسبة لكلام العرب لا لكلام الله إذ يستحيل في حقه سبحانه الداعية للفعل.
بقي الكلام في أيهما أبلغ؟ هذا القسم أو الذي قبله؟.
قال الكواشي في قوله تعالى: {فليمدد له الرحمن مدا} الأمر بمعنى الخبر لتضمنه اللزوم نحو إن زرتنا فلنكرمك يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم.
وقال الزمخشري في قوله تعالى: {لا تعبدون إلا الله} ورود الخبر والمراد الأمر أو النهي أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع فيه إلى الامتثال والخبر عنه.