تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 394
نفي الشيء رأسا.
لأنه عدم كمال وصفه أو لانتفاء ثمرته، كقوله تعالى في صفة أهل النار: {لا يموت فيها ولا يحيى} فنفى عنه الموت لأنه ليس بموت صريح ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة كقوله تعالى: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} أي ما هم بسكارى مشروب ولكن سكارى فزع.
وقوله: {لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} وهم قد نطقوا بقولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا} ولكنهم لما نطقوا بما لم ينفع فكأنهم لم ينطقوا.
وقوله: {لهم قلوب لا يفقهون بها} .
وقوله: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} .
ومنه قوله: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ، فإن المعتزلة احتجوا به على نفي الرؤية لأن النظر لا يستلزم الإبصار، ولا يلزم من قوله: {إلى ربها ناظرة} إبصار.
وهذا وهم لأن الرؤية تقال على أمرين: أحدهما الحسبان والثاني العلم، والآية من المعنى الأول أي تحسبهم ينظرون إليك لأن لهم أعينا مصنوعة بأجفانها وسوادها يحسب الإنسان أنها تنظر إليه بإقبالها عليه وليست تبصر شيئا.
vol. 3 · p. 395
ومنه: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم} .
ومنه قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} ، فإنه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه أخبر عنهم لعدم جريهم على موجب العلم كذا قاله السكاكي وغيره.
وقد يقال: لم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد لأن المثبت أولا نفس العلم والمنفي إجراء العمل بمقتضاه. ويحتمل حذف المفعولين أو اختلاف أصحاب الضميرين.
قال: ونظيره في النفي والإثبات قوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} .
قلت: المنفي أولا التأثير والمثبت ثانيا نفس الفعل.
ومن هذه القاعدة يزول الإشكال في قوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} والمعنى: إن لم تفعل بمقتضى ما بلغت فأنت في حكم غير المبلغ كقولك لطالب العلم: إن لم تعمل بما علمت فأنت لم تعلم شيئا أي في حكم من لم يعلم.
ومنه نفي الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا، وهذا من أساليب العرب يقصدون به المبالغة في النفي وتأكيده كقولهم فلان لا يرجى خيره ليس المراد أن فيه خيرا لا يرجى غرضهم أنه لا خير فيه على وجه من الوجوه.
ومنه: {ويقتلون النبيين بغير حق} فإنه يدل على أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق ثم وصف القتل بما لا بد أن يكون من الصفة وهي وقوعه على خلاف الحق.