تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 395
ومنه: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم} .
ومنه قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} ، فإنه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه أخبر عنهم لعدم جريهم على موجب العلم كذا قاله السكاكي وغيره.
وقد يقال: لم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد لأن المثبت أولا نفس العلم والمنفي إجراء العمل بمقتضاه. ويحتمل حذف المفعولين أو اختلاف أصحاب الضميرين.
قال: ونظيره في النفي والإثبات قوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} .
قلت: المنفي أولا التأثير والمثبت ثانيا نفس الفعل.
ومن هذه القاعدة يزول الإشكال في قوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} والمعنى: إن لم تفعل بمقتضى ما بلغت فأنت في حكم غير المبلغ كقولك لطالب العلم: إن لم تعمل بما علمت فأنت لم تعلم شيئا أي في حكم من لم يعلم.
ومنه نفي الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا، وهذا من أساليب العرب يقصدون به المبالغة في النفي وتأكيده كقولهم فلان لا يرجى خيره ليس المراد أن فيه خيرا لا يرجى غرضهم أنه لا خير فيه على وجه من الوجوه.
ومنه: {ويقتلون النبيين بغير حق} فإنه يدل على أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق ثم وصف القتل بما لا بد أن يكون من الصفة وهي وقوعه على خلاف الحق.
vol. 3 · p. 396
وكذلك قوله: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} إنها وصف لهذا الدعاء وأنه لا يكون إلا عن غير برهان.
وقوله: {ولا تكونوا أول كافر به} ، تغليظ وتأكيد في تحذيرهم الكفر.
وقوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} ، لأن كل ثمن لها لا يكون إلا قليلا فصار نفي الثمن القليل نفيا لكل ثمن.
وقوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا} فإن ظاهره نفي الإلحاف في المسألة والحقيقة نفي المسألة البتة وعليه أكثر المفسرين بدليل قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} ، ومن لا يسأل لا يلحف قطعا ضرورة أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
ومثله قوله: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} ، ليس المراد نفي الشفيع بقيد الطاعة بل نفيه مطلقا وإنما قيده بذلك لوجوه:.
أحدها: أنه تنكيل بالكفار لأن أحدا لا يشفع إلا بإذنه وإذا شفع يشفع لكن الشفاعة مختصة بالمؤمنين فكان نفي الشفيع المطاع تنبيها على حصوله لأضدادهم كقولك لمن يناظر شخصا ذا صديق نافع لقد حدثت صديقا نافعا وإنما تريد التنويه بما حصل لغيره لأن له صديقا ولم ينفع.
الثاني: أن الوصف اللازم للموصوف ليس بلازم أن يكون للتقييد بل يدل لأغراض من تحسينه أو تقبيحه نحو له مال يتمتع به وقوله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} {ولهم عذاب أليم} .