تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 401
قاعدة.
اعلم أن نفي العام يدل على نفي الخاص وثبوته لا يدل على ثبوته وثبوت الخاص يدل على ثبوت العام ولا يدل نفيه على نفيه ولا شك أن زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به فلذلك كان نفي العام أحسن من نفي الخاص وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام.
فالأول: كقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} ولم يقل: [بضوئهم] بعد قوله: [أضاءت] لأن النور أعم من الضوء إذ يقال على القليل والكثير، وإنما يقال الضوء على النور الكثير ولذلك قال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} ففي الضوء دلالة على الزيادة فهو أخص من النور وعدمه لا يوجب عدم الضوء لاستلزام عدم العام عدم الخاص فهو أبلغ من الأول والغرض إزالة النور عنهم أصلا ألا ترى ذكره بعده. {وتركهم في ظلمات} .
وهاهنا دقيقة وهي أنه قال: {ذهب الله بنورهم} ولم يقل: [أذهب نورهم] لأن الإذهاب بالشيء إشعار له بمنع عودته بخلاف الذهاب إذ يفهم من الكثير استصحابه في الذهاب ومقتضى منعه من الرجوع.
ومنه قوله تعالى: {يا قوم ليس بي ضلالة} ولم يقل: [ضلال] كما قالوا:.
vol. 3 · p. 402
{إنا لنراك في ضلال} لأن نفي الواحد يلزم منه نفي الجنس البتة.
وقال الزمخشري: لأن الضلالة أخص من الضلال فكان أبلغ في نفي الضلال عنه، فكأنه قال: ليس به شيء من الضلال كما لو قيل: [لك] لك تمرة فقلت: ما لي تمرة.
ونازعه ابن المنير وقال: تعليله نفيها أبلغ [من نفي الضلال] لأنها أخص [منه] وهذا غير مستقيم فإن نفي الأعم أخص من نفي الأخص ونفي الأخص أعم من نفي الأعم فلا يستلزمه لأن الأعم لا يستلزم الأخص فإذا قلت هذا ليس بإنسان لم يلزم سلب الحيوانية عنه وإذا قلت هذا ليس بحيوان لم يكن إنسانا والحق أن يقال الضلالة أدنى من الضلال وأقل لأنها لا تطلق إلا على الفعلة الواحدة8 منه والضلال يصلح للقليل والكثير ونفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى لا من جهة كونه أخص بل من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
والثاني: كقوله تعالى: {وجنة عرضها السماوات والأرض} ، ولم يقل [طولها] لأن العرض أخص إذ كل ما له عرض فله طول ولا ينعكس. وأيضا إذا كان للشيء صفة يغني ذكرها عن ذكر صفة أخرى تدل عليها كان الاقتصار عليها أولى من ذكرها لأن ذكرها كالتكرار وهو ممل وإذا ذكرت فالأولى تأخير الدلالة على الأخرى حتى لا تكون المؤخرة قد تقدمت الدلالة عليها.