Skip to content

Books to be read, not browsed

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

From ⁧البرهان في علوم القرآن⁩ by ⁧أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي⁩ — leaf 1,477 of 1,926.

تابع النوع السادس والأربعون

vol. 3 · p. 470

التقسيم.

وليس المراد به القسمة العقلية التي يتكلم عليها المتكلم لأنها قد تقتضي أشياء مستحيلة كقولهم الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو متفرق أو لا مفترقة ولا مجتمعة أو مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمع وبعضها مفترق فإن هذه القسمة صحيحة عقلا لكن بعضها يستحيل وجوده وهو استيفاء المتكلم أقسام الشيء بحيث لا يغادر شيئا وهو آلة الحصر ومظنة الإحاطة بالشيء، كقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} فإنه لا يخلو العالم جميعا من هذه الأقسام الثلاثة إما ظالم نفسه وإما سابق مبادر إلى الخيرات وإما مقتصد فيها وهذا من أوضح التقسيمات وأكملها.

ومثله قوله: {وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون} ، وهذه الآية مماثلة في المعنى للتي قبلها وأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم وأصحاب الميمنة هم المقتصدون والسابقون هم السابقون بالخيرات.

كذلك قوله تعالى: {له ما بين أيدينا وما خلفنا} الآية فاستوفى أقسام الزمان ولا رابع لها.

وقوله: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه} إلى قوله: {ما يشاء} ، وهو في القرآن كثير وخصوصا في سورة براءة.

ومنه قوله تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} ، وليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار ولا ثالث لهما

vol. 3 · p. 471

وقوله: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون} ، فاستوفت أقسام الأوقات من طرفي كل يوم ووسطه مع المطابقة والمقابلة.

وقوله: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} فلم يترك سبحانه قسما من أقسام الهيئات.

ومثله آية يونس: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما} .

لكن وقع بين ترتيب الآيتين مغايرة أوجبتها المبالغة وذلك أن المراد بالذكر في الأولى الصلاة فيجب فيها تقديم الاضطجاع وإذا زال بعض الضر قعد المضجع وإذا زال كل الضر قام القاعد فدعا لتتم الصحة وتكمل القوة.

فإن قلت: هذا التأويل لا يتم إلا إذا كانت الواو عاطفة فإنها تحصل في الكلام حسن اتساق وائتلاف الألفاظ مع المعاني وقد عدل عنها إلى [أو] التي سقط معها ذلك.

قلت: يأتي التضرع على أقسام فإن منه ما يتضرع المضرور عند وروده ومنه ما يقعده ومنه ما يأتي صاحبه قائم لا يبلغ به شيئا والدعاء عنده أولى من التضرع فإن الصبر والجزع عند الصدمة الأولى فوجب العدول عن الواو لتوخي الصدق في الخبر والكلام بالائتلاف ويحصل النسق والخبر بذلك التأويل الأول عن شخص واحد وبالثاني عن أشخاص فغلب الكثرة فوجب الإتيان ب[أو] وابتدى بالشخص الذي تضرع لأن خبره أشد فهو أشد تضرعا فوجب تقديم ذكره ثم القاعد ثم القائم فحصل حسن الترتيب وائتلاف الألفاظ ومعانيها.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م