تابع النوع السادس والأربعون
vol. 4 · p. 10
كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف} فذكر ريح الرحمة بلفظ الإفراد لوجهين:
أحدهما: لفظي وهو المقابلة فإنه ذكر ما يقابلها ريح العذاب وهي لا تكون إلا مفردة ورب شيء يجوز في المقابلة ولا يجوز استقلالا نحو {ومكروا ومكر الله}
الثاني: معنوي وهو أن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد فإن اختلفت عليها الرياح وتصادمت كان سبب الهلاك والغرق فالمطلوب هناك ريح واحدة ولهذا أكد هذا المعنى فوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون عاصفة بل هي ريح يفرح بطيبها
ومنها قوله تعالى {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} وهذا أورده ابن المنير في كتابه على الزمخشري قال الريح رحمة ونعمة وسكونها شدة على أصحاب السفن
قال: الشيخ علم الدين العراقي وكذا جاء في القراءات السبع {والله الذي أرسل الريح} {وهو الذي يرسل الريح} والمراد به الذي ينشر السحاب
vol. 4 · p. 11
ومن ذلك جمع الظلمات والنور {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}
ولذلك جمع سبيل الباطل وأفرد سبيل الحق كقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}
والجواب في ذلك كله أن طريق الحق واحد وأما الباطل فطرقه متشعبة متعددة ولما كانت الظلم بمنزلة طريق الباطل والنور بمنزلة طريق الجنة بل هما هما أفرد النور وجمع الظلمات ولهذا وحد الولي فقال {الله ولي الذين آمنوا} لأنه الواحد الأحد وجمع أولياء الكفار لتعددهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دين الحق
ومن ذلك أفرد اليمين والشمال في قوله {عن اليمين وعن الشمال عزين} وجمعها في قوله {وعن أيمانهم وعن شمائلهم} ولا سؤال فيه إنما السؤال في جمع أحدهما وإفراد الآخر كقوله تعالى: {يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله} قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلمة وإذا جمع ذهب إلى كلها والحكمة في تخصيص اليمين بالإفراد ما سبق فإنه لما كانت اليمين جهة الخير والصلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله {عن اليمين والشمائل}