النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
vol. 2 · p. 374
وجاء بالحرف في مواضع يسيرة على قراءة بعضهم: {فبذلك فلتفرحوا} ووجهه أنه من باب حمل المخاطب على الغائب إلى الخطاب فكأنه لا غائب ولا حاضر وذلك لأن قوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا} فيه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين وخطاب الله تعالى مع النبي للمؤمنين كخطاب الله تعالى لهم فكأنهما اتحدا في الحكم ووجود الاستماع والاتباع فصار المؤمنون كأنهم مخاطبون في المعنى فأتى باللام كأنه يأمر قوما غيبا وبالتاء للخطاب كأنه يأمر حضورا ويؤيد هذا قوله تعالى في أول الآية: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم} الآية فصار المؤمنون مخاطبين ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل بفضل الله وبرحمته} فبذلك ينبغي أن يكون فرحهم فصاروا مخاطبين من وجه دون وجه
ونظيره: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} إلا أن ذلك جعل في كلمتين وحالتين وهذا في كلمة واحدة
ومنها قوله تعالى: {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد}
ومنها قوله تعالى: {ليقض علينا ربك}
النفي
هو شطر الكلام كله لأن الكلام إما إثبات أو نفي وفيه قواعد:
vol. 2 · p. 375
الأولى: في الفرق بينه وبين الجحد قال ابن الشجري: إن كان النافي صادقا فيما قاله سمي كلامه نفيا وإن كان يعلم كذب ما نفاه كان جحدا فالنفي أعم لأن كل جحد نفي من غير عكس فيجوز أن يسمى الجحد نفيا لأن النفي أعم ولا يجوز أن يسمى النفي جحدا
فمن النفي: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}
ومن الجحد نفي فرعون وقومه آيات موسى عليه السلام قال الله تعالى: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} أي: وهم يعلمون أنها من عند الله
وكذلك إخبار الله عمن كفر من أهل الكتاب: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} فأكذبهم الله بقوله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم}
وقوله: {يحلفون بالله ما قالوا} فأكذبهم الله بقوله: {ولقد قالوا كلمة الكفر}
قال: ومن العلماء من لا يفرق بينهما والأصل ما ذكرته
الثانية: زعم بعضهم أن من شرط صحة النفي عن الشيء صحة اتصاف المنفي عنه بذلك