النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
vol. 2 · p. 388
لم يكن المراد كل واحد واحد من الآية لم تحسن الزيادة في التأكيد بدليل الاستثناء بعده من قوله: {إلا امرأته}
ومنها: قصد تحقيق المخبر به كقوله تعالى: {إني جاعل} فأكد بإن وباسم الفاعل مع أنهم ليسوا بشاكين في الخبر
ومثله: {إنك ميت وإنهم ميتون}
وقال حاكيا عن نوح: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك}
ومنها: قصد إغاظة السامع بذلك الخبر كقوله: {إنك لمن المرسلين}
ومنها: الترغيب كقوله: {فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} أكده بأربع تأكيدات وهي إن وضمير الفصل والمبالغتان مع الصفتين له ليدل على ترغيب الله العبد في التوبة فإنه إذا علم ذلك طمع في عفوه وقوله: {لا تحزن إن الله معنا}
ومنها: الإعلام بأن المخبر به كله من عند المتكلم كقوله: {فإما يأتينكم مني هدى} دون الاقتصار على "يأتينكم هدى" قال المفسرونك فيه إشارة إلى أن الخير كله منه
وعليه قوله: {قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} {قد جاءكم برهان من ربكم}
vol. 2 · p. 389
ومنها: التعريض بأمر آخر كقوله تعالى: {رب إني ظلمت نفسي} وقول موسى: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} وقوله تعالى: {قالت رب إني وضعتها أنثى} تعريضا سؤال قبولها فإنها كانت تطلب للنذر ذكرا
تنبيهان
الأول: قالوا: إنما يؤتى به للحاجة للتحرز عن ذكر مالا فائدة له فإن كان المخاطب ساذجا ألقي إليه الكلام خاليا عن التأكيد وإن كان مترددا فيه حسن تقويته بمؤكد وإن كان منكرا وجب تأكيده ويراعى في القوة والضعف بحسب حال المنكر كما في قوله تعالى عن رسل عيسى: {ربنا يعلم} الآية وذلك أن الكفار نفوا رسالتهم بثلاثة أشياء أحدها قولهم: {ما أنتم إلا بشر مثلنا} والثاني قولهم: {ما أنزل الرحمن من شيء} والثالث قولهم: {إن أنتم إلا تكذبون} فقوبلوا على نظيره بثلاثة أشياء أحدها قولهم: {ربنا يعلم} ووجه التأكيد فيه أنه في معنى قسم والثاني قوله: {إنا إليكم لمرسلون} والثالث قوله تعالى: {وما علينا إلا البلاغ المبين}