النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 433
لأن العبرة في النهي عن اتخاذ الإلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط ولو وصف إلهين بغير ذلك من الصفات كقوله لا تتخذوا إلهين عاجزين لأشعر بأن القادرين يجوز أن يتخذا فمعنى التثنية شامل لجميع الصفات فسبحان من دقت حكمته في كل شيء!
ونظير هذا ما قال الأخفش في قوله: {فإن كانتا اثنتين}
الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها النوعية ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما نحن وبنو عبد المطلب شيء واحد" وتطلق ويراد بها العدد نحو: "إنما زيد رجل واحد" فالتثنية باعتبارها فلو قيل: {لا تتخذوا إلهين} فقط لصح في موضوعه أن يكون نهيا عن اتخاذ جنسين آلهة وجاز أن يتخذ من نوع واحد أعداد آلهة لأنه يطلق عليهم أنهم واحد لاسيما وقد يتخيل أن الجنس الواحد لا تتضاد مطلوباته فيصح فلما قال: {اثنين} بين فيه قبح التعديد للإله وأنه منزه عن العددية وقد أومأ إليه الزمخشري بقوله: ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله ولم تصفه بواحد لم يحسن وقيل لك إنك نفيت الإلهية لا الوحدانية الثالث: أنه لما كان النهي واقعا على التعدد والاثنينية دون الواحد أتى بلفظ الاثنين لأن قولك: لا تتخذ ثوبين يحتمل النهي عنهما جميعا ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما فإذا قلت: ثوبين اثنين علم المخاطب أنك نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ثوب واحد فتوجه النفي إلى نفس التعدد والعدد
vol. 2 · p. 434
فأتى باللفظ الموضوع له الدال عليه فكأنه قال: لا تعدد الآلهة ولا تتخذ عددا تعبده إنما هو إله واحد
الرابع: أن "اتخذ" هي التي تتعدى إلى مفعولين ويكون: {اثنين} مفعولها الأول و {إلهين} مفعولها الثاني وأصل الكلام لا تتخذوا اثنين إلهين ثم قدم المفعول الثاني على الأول ويدل على التقديم والتأخير أن إلهين أخص من اثنين واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز وعلى مالا يجوز وأما اتخاذ اثنين إلهين فلا يقع إلا على ما يجوز وقدم إلهين على اثنين إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين فالنهي وقع على معنيين الآلهة المتخذة وعلى هذا فلا بد من ذكر الاثنين والإلهين إذ هما مفعولا الاتخاذ
قال صاحب البسيط: وهذا الوجه هو الجيد ليخرج بذلك على التأكيد وأما إذا جعل إلهين مفعول تتخذوا واثنين صفة فإنه أيضا لا يخرج عن الوصف إلى التأكيد لأنه لا يستفاد من اثنين ما استفيد من إلهين لأن الأول يدل على العدد والجنس والثاني على مجرد الاثنينية
قال: وهذا الحكم في قوله تعالى: {من كل زوجين اثنين} في دخول اثنين في حد الوصف إلا أن من قرأ بتنوين كل فإنه حذف المضاف إليه وجعل التنوين عوضا عنه و {زوجين} مفعول "احمل" أو "فاسلك" و"اثنين" نعت ومن يحتمل أنه متعلق بفعل الأمر ويحتمل أن يتعلق بمحذوف لكونه حالا من نكرة تقدم عليها والتقدير: احمل أو اسلك فيها زوجين اثنين من كل صنف ومن قرأ بإضافة كل احتمل وجهين: أحدهما: أن تجعل اثنين المفعول والجار والمجرور متعلق