النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 454
والفرق بينه وبين الصفة أن البدل في تقدير تكرار العامل وكأنه في التقدير من جملتين بدليل تكرر حرف الجر في قوله: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم} وبدليل بدل النكرة من المعرفة والمظهر من المضمر وهذا مما يمتنع في الصفة فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم فكذلك تكرار العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرار وهو إن كان كذلك فلا يخرج عن أن يكون فيه تبيين للأول كالصفة
وقيل لأبي علي: كيف يكون البدل إيضاحا للمبدل منه وهو من غير جملته؟ فقال: لما لم يظهر العامل في البدل وإنما دل عليه العامل في المبدل منه واتصل البدل بالمبدل منه في اللفظ جاز أن يوضحه
ومن فوائد البدل التبيين على وجه المدح فقولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان أبلغ من قولك: فلان الأكرم والأفضل بذكره مجملا ثم مفصلا
وقال الأخفش والواحدي في بدل البعض من الكل نحو: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} يسمى هذا بدل البيان لأن الأول يدل على العموم ثم يؤتى بالبدل إن أريد البعض
واعلم أن في كلام البدلين أعني بدل البعض وبدل الاشتمال بيانا وتخصيصا للمبدل منه وفائدة البدل أن ذلك الشيء يصير مذكورا مرتين إحداهما بالعموم والثانية بالخصوص ومن أمثلته قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين}
vol. 2 · p. 455
{آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون}
وقوله: {لنسفعا بالناصية. ناصية كاذبة} وفائدة الجمع بينهما أن الأولى ذكرت للتخيص على ناصية والثانية على علة السفع ليشمل بذلك ظاهر كل ناصية هذه صفتها
ويجوز بدل المعرفة من المعرفة نحو: {الصراط المستقيم. صراط الذين}
وبدل النكرة من المعرفة نحو: {بالناصية. ناصية كاذبة} قال ابن يعيش: ولا يحسن بدل النكرة من المعرفة حتى توصف كالآية لأن البيان مرتبط بهما جميعا
والنكرة من النكرة كقوله تعالى: {إن للمتقين مفازا. حدائق وأعنابا. وكواعب أترابا. وكأسا دهاقا} فحدائق وما بعدها بدل من " مفازا "
ومنه قوله تعالى: {وغرابيب سود} فإن سود بدل من غرابيب لأن الأصل سود غرابيب فغرابيب في الأصل صفة لسود ونزع الضمير منها وأقيمت مقام الموصوف ثم أبدل منها الذي كان موصوفا بها كقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} وقوله: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} فهذا بدل نكرة موصوفة من أخرى موصوفة فيها بيان الأولى
ومثل إبدال النكرة المجردة من مثلها مجردة وبدل المعرفة من النكرة: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله} لأن " صراط الله " مبين إلى الصراط