النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 488
لأنه لو قال: "عليهم دائرته" لالتبس بأن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى قاله الوزير المغربي في تفسيره ونظيره: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا} وتبيينه: الأول النطفة أو التراب والثاني الوجود في الجنين أو الطفل والثالث الذي بعد الشيخوخة وهو أرذل العمر والقوة الأولى التي تجعل للطفل التحرك والاهتداء للثدي والثانية بعد البلوغ قاله ابن الحاجب ويؤيد الغيرية التنكير
ونحوه قوله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} الآية لو قال: "إنه" لأوهم عود الضمير إلى الفجر
وقوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} فلم يقل: "عنها" لئلا يتحد الضميران فاعلا ومفعولا مع أن المظهر السابق لفظ النفس فهذا أبلغ من ضرب زيد نفسه
وكقوله تعالى: {ثم استخرجها من وعاء أخيه} وإنما حسن إظهار الوعاء مع أن الأصل فاستخرجها منه لتقدم ذكره لأنه لو قيل ذلك لأوهم عود الضمير على الأخ فيصير كأن الأخ مباشر لطلب خروج الوعاء وليس كذلك لما في المباشر من الأذى الذي تأباه النفوس الأبية فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا
vol. 2 · p. 489
الله تبارك وتعالى الرب عز وجل وإنما لم يضمر الأخ فيقال ثم استخرجها من وعائه لأمرين
أحدهما أن ضمير الفاعل في {استخرجها} ليوسف عليه السلام فلو قال من وعائه لتوهم أنه يوسف لأنه أقرب مذكور فأظهر لذلك
والثاني أن لأخ مذكور مضاف إليه ولم يذكر فيما تقدم مقصودا بالنسبة الإخبارية فلما احتيج إلى إعادة ما وأضيف إليه أظهره أيضا
وقوله تعالى {يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال}
{ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله}
السادس
أن يكون القصد تربية المهابة وإدخال الروعة في ضمير السامع بذكر الاسم المقتضي لذلك كما يقول الخليفة لمن يأمره بأمر أمير المؤمنين يأمرك بكذا مكان أنا آمرك بكذا
ومنه قوله تعالى {الحاقة ما الحاقة}
وقوله {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}
وقوله {وقال الذين في النار لخزنة جهنم} ولم يقل لخزنتها