النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 492
وكقوله تعالى: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} ولم يقل: "عليهم" لأنه ليس في الضمير ما في قوله: {الذين ظلموا} من ذكر الظلم المستحق به العذاب
وجعل منه الزمخشري قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}
وقوله تعالى: {فلعنة الله على الكافرين} والأصل "عليهم" لدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم وليس من ذلك قوله تعالى: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فإن العلة قد تقدمت في الشرط وإنما فائدة ذلك إثبات صفة أخرى زائدة وقال الزمخشري: فائدته اشتماله على المتقين والصابرين
ومنه قوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} لأن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان عظيم
وقوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون} والقياس "أنهم لا يفلحون" ولو ذكر الظاهر لقال: "لا يفلح المفترون" أو "الكاذبون" لكن صرح بالظلم تنبيها على أن علة عدم الفلاح الظلم
وقوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} ولم يقل: "أجرهم" تنبيها على أن صلاحهم علة لنجاتهم
وقوله: {إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر} ولم يقل: "لنا" لينبه
vol. 2 · p. 493
على أنه أهل لأن يصلي له لأنه ربه الذي خلقه وأبدعه ورباه بنعمته
وكقوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} قال الزمخشري: أراد عدوا لهم فجاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم وأن عداوة الملائكة كفر وإذا كانت عداوة الأنبياء كفرا فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى ومن عاداهم عاداه الله وعاقبه أشد العقاب المهين
وقد أدمج في هذا الكلام مذهبه في تفضيل الملك على النبي وإن لم يكن مقصودا فهو كما قيل:
وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى
إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرجل
ومثله قول مطيع:
أمي الضريح الذي أسمي
ثم استهل على الضريح
ألا ترى أنه لم يقل "عليه" لأنه باك بذكر الضريح الذي من عادته أن يبكي عليه ويحزن لذكراه
الحادي عشر: قصد العموم
كقوله تعالى: {حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها} ولم يقل: "استطعمهم" للإشعار بتأكيد العموم وأنهما لم يتركا أحدا من أهلها إلا استطعماه وأبى ومع ذلك قابلهم