النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 500
الثاني
قد مر أن سؤال وضع الظاهر موضع المضمر حقه أن يكون في الجملة الواحدة نحو: {الحاقة. ما الحاقة} فأما إذا وقع في جملتين فأمره سهل وهو أفصح من وقوعه في الجملة الواحدة لأن الكلام جملتان فحسن فيهما ما مالا يحسن في الجملة الواحدة ألا ترى إلى قوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فتكرار الموت في عجز البيت أوسع من تكراره في صدره لأنا إذا عللنا هذا إنما نقول أعاد الظاهر موضع المضمر لما أراد من تعظيم الموت وتهويل أمره فإذا عللها مكررة في عجزه عللناه بهذا وبأن الكلام جملتان
إذا علمت هذا فمثاله في الجملتين كقوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} وقوله: {إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين}
وقد أشكل الإظهار هاهنا والإضمار في المثل قوله: {إلى فرعون وملإه إنهم كانوا قوما فاسقين} وأجيب بأنه لما كان المراد في مدائن لوط إهلاك القرى صرح في الموضعين بذكر القرية التي يحل بها الهلاك كأنها اكتسبت الظلم معهم واستحقت الهلاك معهم إذ للبقاع تأثير في الطباع ولما كان المراد في قوم فرعون إهلاكهم بصفاتهم حيث كانوا ولم يهلك بلدهم أتى بالضمير العائد على ذواتهم من حيث هي من غير تعرض للمكان
vol. 2 · p. 501
واعلم أنه متى طال الكلام حسن إيقاع الظاهر موضع المضمر كيلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه اللفظ فيفوته ما شرع فيه كما إذا كان ذلك في ابتداء آية أخرى كقوله تعالى: {قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم} الآية
وقوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس}
وقوله: {يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس}
وقوله: {رجال لا تلهيهم تجارة}
القسم العاشر
تجيء اللفظة الدالة على التكثير والمبالغة بصيغ من صيغ المبالغة
كفعال وفعيل وفعلان فإنه أبلغ من فاعل ويجوز أن يعد هذا من أنواع الاختصار فإن أصله وضع لذلك فإن ضروبا ناب عن قولك ضارب وضارب وضارب ما جاء على فعلان
أما فعلان فهو أبلغ من فعيل ومن ثم قيل الرحمن أبلغ من الرحيم وإن كانت صيغة فعيل من جهة أن فعلان من أبنية المبالغة كغضبان للممتلئ غضبا ولهذا لا يحوز التسمية به وحكاه الزجاج في تأليفه المفرد على البسملة