8
vol. 1 · p. 23
من ذم الشعر لأنه موزون مقفى:
وإن زعم أنه دم الشعر من حيث هو موزون مقفى1، حتى كأن الوزن عيب2، وحتى كأن الكلام إذا نظم نظم الشعر، اتضع في نفسه، وتغيرت حاله، فقد أبعد، وقال قولا لا يعرف له معنى، وخالف العلماء في قولهم "إنما لشعر كلام فحسنه حسن، وقبيحه قبيح"، وقد روي ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا أيضا3.
فإن زعم أنه إنما كره الوزن، لأنه سبب، لأن يتغنى في الشعر ويتلهى به، فإذا إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل، والقول الفصل، والمنطق الحسن، والكلام البين، وإلى حسن التمثيل والاستعارة، وإلى التلويج والإشارة، وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس فشرفه، وإلى الضئيل فتفخمه، وإلى النازل فترفعه، وإلى الخامل فتنوه به، وإلى العاطل فتحليه4، وإلى المشكل فتجليه فلا متعلق له علينا بما ذكر، ولا ضرر علينا فيما أنكر، فليقل في الوزن ما شاء، وليضعه حيث أراد، فليس بعنينا أمره، ولا هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه.
علة منعه صلى الله عليه وسلم من الشعر:
وهذا هو الجواب لمتعلق إن تعلق بقوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [سورة يس: 69] وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر، ومن
vol. 1 · p. 24
حفظه وروايته. وذاك أنا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع الشعر من أجل أن كان قولا فصلا، وكلاما جزلا، ومنطقا حسنا، وبيانا بينا، كيف؟ وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى قد منعه البيان والبلاغة، وحماه الفصاحة والبراعة، وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ. وهذا جهل عظيم، وخلاف لما عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب1، وإذا بطلأن يكون المنع من أجل هذه المعاني2، وكنا قد أعلمناه أنا ندعوه إلى الشعر من أجلها، ونحدوه بطلبه على طلبها، وكان الاعتراض بالآية محالا، والتعلق بها خطلا من الرأي وانحلالا.
فإذا قال: إذا قال الله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [سورة يس: 69] فقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الشعر ونزهه عنه بلا شبهة، وهذه الكراهة وإن كانت لا تتوجه إليه من حيث هو كلام، ومن حيث إنه بليغ بين وفصيح حسن ونحو ذلك، فإنها تتوجه إلى الأمر لابد لك من التلبس به في طلب ما ذكرت أنه مرادك من الشعر، وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تمييز كونه كلاما عن كونه شعرا. حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام، ولم تلتبس به من حيث هو شعر، هذا محال، وإذا كان لابد من ملابسة موضع الكراهة3، فقد لزم العيب برواية الشعر وإعمال اللسان فيه.
قيل له: هذا منك كلام لا يتحصل. وذلك أنه لو كان الكلام إذا وزن حط ذلك من قدره، وأزرى به، وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما،