201
vol. 1 · p. 395
العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16]، وكقول الفرزدق:
سقتها خروق في المسامع1
وأشباه ذلك، مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق، ومن طريق تلطف، وليس يكون هذا علما بالإعراب، ولكن بالوصف الموجب للإعراب.
ومن ثم لا يجوز لنا أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال: "إنه أفصحهما"، أو بأن يكون قد تحفظ مما تخطئ فيه العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب؛ لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو أن يكون علما باللغة، وبأنفس الكلم المفردة، وبما طريقه طريق الحفظ، دون ما يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر، ولئن كانت العامة وأشباه العامة لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك؛ فإن من ضعف النحيزة إخطار مثله في الفكر2، وإجراءه في الذكر، وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز. أترى أن العرب تحدوا أن يختاروا الفتح في الميم من "الشمع"، والهاء من "النهر" على الإسكان وأن يتحفظوا من تخليط العامة في مثل: "هذا يسوى ألفا"3 أو إلى أن يأتوا بالغريب الوحشي في كلام يعارضون به القرآن؟ 4 كيف؟ وأنت تقرأ السورة من السور الطوال فلا
202
vol. 1 · p. 396
تجد فيها من الغريب شيئا، وتتأمل ما جمعه العلماء في غريب القرآن؛ فترى الغريب منه إلا في القليل، إنما كان غريبا من أجل استعارة هي فيه، كمثل {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93]، ومثل: {خلصوا نجيا} [يوسف: 80]، ومثل {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]، دون أن تكون اللفظة غريبة في نفسها؛ إنما ترى ذلك في كلمات معدودة كمثل: {عجل لنا قطنا} [ص: 16] و {ذات ألواح ودسر} [القمر: 13]، و {جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24].
غريب اللغة، ليس له مكان في الإعجاز:
ثم إنه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا، لكان محالا أن يدخل ذلك في الإعجاز، وأن يصح التحدي به. ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدي به من أن يتحدى من له علم بأمثاله من الغريب، أو من لا علم له بذلك.
فلو تحدي به من يعلم أمثاله، لم يتعذر عليه أن يعارضه بمثله.
ألا ترى أنه لا يتعذر عليك إذا أنت عرفت ما جاء من الغريب في معنى "الطويل" أن تعارض من يقول: "الشوقب"، بأن تقول أنت "الشوذب"، وإذا قال: "الأمق" أن تقول "الأشق"؟ 1 وعلى هذا السبيل.
ولو تحدي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلة أن يتحدى العرب إلى أن يتكلموا بلسان الترك.
هذا، وكيف بأن يدخل الغريب في باب الفضيلة، وقد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون الفضيلة في ترك استعماله وتجنبه؟ أفلا ترى إلى قول عمر