Skip to content

Books to be read, not browsed

211 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 427 of 670.

211

vol. 1 · p. 428

أجزاء أحدهما مخالفة في معانيها لأجزاء الآخر، ثم يرى أنه يسع في العقل أن يكون معنى أحد الكلامين مثل معنى الآخر، سواء حتى يقعد فيقول1: "إنه لو كان يكون الكلام فصيحا من أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن توجد تلك المزية في تفسيره". ومثله في العجب أنه ينظر إلى قوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16]، فيرى إعراب الاسم الذي هو "التجارة"، قد تغير فصار مرفوعا بعد أن كان مجرورا، ويرى أنهن قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه، وهو "الواو" في "ربحوا"، و "في" من قولنا: "في تجارتهم"، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن يكون المعنى قد تغير كما تغير اللفظ.

الكلام الفصيح قسمان: مزية اللفظ ومزية النظم

واعلم أنه ليس للحجج والدلائل في صحة ما نحن عليه حد ونهاية، وكلما انتهى منه باب انفتح فيه باب آخر، وقد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج، ومن البسط والشرح، فتأمل ما أكتبه لك.

إعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين: قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى اللفظ وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم2.

222

vol. 1 · p. 429

القسم الأول: "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل على حد الاستعارة"

فالقسم الأول: "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل الكائن على حد الاستعارة"، وكل ما كان فيه، على الجملة، مجاز واتساع وعدول باللفظ عن الظاهر، فما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب وعلى ما ينبغي، أوجب الفضل والمزية.

فإذا قلت: "هو كثير رماد القدر"، كان له موقع وحظ من القبول لا يكون إذا قلت: "هو كثير القرى والضيافة".

وكذا إذا قلت: "هو طويل النجاد"، كان له تأثير في النفس لا يكون إذا قلت: "هو طويل القامة".

وكذا إذا قلت: "رأيت أسدا"، كان له مزية لا تكون إذا قلت: "رأيت رجلا يشبه الأسد ويساويه في الشجاعة".

وكذلك إذا قلت: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، كان له موقع لا يكون إذا قلت: "أراد تتردد في الذي دعوتك إليه، كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدم رجلا ويؤخر أخرى".

وكذلك إذا قلت: "ألقى حبله على غاربه"، كان له مأخذ من القلب لا يكون إذا قلت: "هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربة حتى يرعى كيف يشاء ويذهب حيث يريد".

لا يجهل المزية فيه إلا عديم الحس ميت النفس، وإلا من لا يكلم، لأنه من مبادئ المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE