Skip to content

Books to be read, not browsed

237 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 455 of 670.

237

vol. 1 · p. 456

يطلب لما قالوه معنى، وتعلم له فائدة، ويجشم فيه فكر، وأن يعتقد على الجملة أقل ما في الباب، أنه كلام لا يصح حمله على ظاهره، وأن يكون المراد "باللفظ" فيه نطق اللسان.

فالوصف بالتمكن والقلق في "اللفظ" محال، فإنما يتمكن الشيء ويقلق إذا كان شيئا يثبت في مكان، و "الألفاظ" حروف لا يجود منها حرف حتى يعدم الذي كان قبله. وقولهم: "متمكن" أو "قلق" وصف للكلمة بأسرها، لا حرف حرف منها1.

ثم إنه لو كان يصح في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها، لكان ذلك فيها محالا أيضا، من حيث إن الشيء إنما يتمكن ويقلق في مكانه الذي يوجد فيه، ومكان الحروف إنما هو الحلق والفم واللسان والشفتان، فلو كان يصح عليها أن توصف بأنها تتمكن وتقلق، لكان يكون ذلك التمكين وذلك القلق منها في أماكنها من الحلق والفم واللسان والشفتين.

وكذلك قولهم: "لفظ ليس فيه فضل عن معناه"، محال أن يكون المراد به "اللفظ"، لأنه ليس ههنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو ينقص عنه. كيف؟ وليس بالذرع وضعت الألفاظ على المعاني2.

وإذا اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل، فكذلك. وذلك أنه ليس ههنا جملة من مبتدإ وخبر أو فعل وفاعل، يحصل بها الإثبات أو النفي، أثم أو أنقص مما يحصل باخرىز وإنما فضل اللفظ عن المعنى: أن تزيد الدلالة بمعنى على معنى، فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة باملعنى المدلول عليه إليه.

239

vol. 1 · p. 457

وكذلك السبيل في "السبك والطابع" وأشباههما، لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به "اللفظ" من حيث هو لفظ.

مسألة "اللفظ" وغلبتها على المعتزلة وغيرهم:

فإن أردت الصدق، فإنك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع "اللفظ"، ولا فساد رأى مازج النفوس وخارمها واستحكم يها وصار كإحدى طبائعها، من رأيهم في "اللفظ". فقد بلغ من ملكته لهم وقوته عليهم، أن تركهم وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، وغيبوا عن عقولهم، وحيل بينهم وبين أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر، فلست ترى إلا نفوسا قد جعلت ترك النظر دأبها، ووصلت بالهوينا أسبابها، فهي تعتر بالأضاليل وتتباعد عن التحصيل، وتلقي بأيديها إلى الشبه، وتسرع إلى القول المموه.

ولقد بلغ من قلة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنفة في اللغة قد شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، ورأوا أبا العباس ثعلبا قد سمى كتاقبه "الفصيح"، مع أنه لم يذكر فيه اللغة والألفاظ المفردة، وكان محالا إذا قيل: إن "الشمع" بفتح الميم، أفصح من "الشمع" بإسكانه، أن يكون ذلك من أجل المعنى، إذا ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمي به1 سبق إلى قلوبهم أن حكم الوصف بالفصاحة أينما كان وفي أي شيء كان، أن لا يكون له مرجع إلى المعنى البتة، وأن يكون وصفا للفظ في نفسه، ومن حيث هو لفظ ونطق لسان، ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، أنها في اللغة أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE