273
vol. 1 · p. 519
ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حد عجز عنه المخلوقون، هو الفصاحة والبلاغة. وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا، بأن لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو كان يصح ذلك، لكان يجب أن يكون السوقي الساقط من الكلام، والسفساف الردئ من الشعر، فصيحا إذا خفت حروفه.
وأعجب من هذا، أنه يلزم منه أن لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان كل ضمة وكسرة فتحة فقال: "الحمد لله"، بفتح الدال واللام والهاء، وجرى على هذا في القرآن كله، أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به، بل كان ينبغي أن يزيد فيه، لأن الفتحة كما لا يخفى أخف من كل واحدة من الضمة والكسرة.
فإن قال: إن ذلك يحيل المعنى.
قيل له: إذا كان المعنى والعلة في كونه معجزا خفة اللفظ وسهولته، فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجزا لوصف يخص لفظه دون معناه، كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا، مع قيام ذلك الوصف فيه.
بيان أن قولهم في اللفظ، يسقط "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل" و"المجاز" و"الإيجاز":
ودع هذا، وهب أنه لا يلزم شيء منه، فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلة تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" و "المجاز" و "الإيجاز" جملة، واطراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، والطلبة التي يتنازعها المحسنون، والرهان الذي تجرب فيه الجياد، والنضال الذي تعرف به الأيدي الشداد، وهي التي نوه بذكرها البلغاء، ورفع من أقدارها العلماء،